تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 764

مساهمون:

ص٧٦٤
على العرش ، وهذا المعنى يتأتّى بإبقاء البعث على معناه وتقدير « فيقيمك » بمعنى فيحلّك وبتفسيره بالإقامة بمعنى الإحلال ، وقد يقال : لا مسامحة ، والمراد من المقام : الرّتبة ، والبعث متضمّن معنى الإعطاء ، أي عسى يعطيك ربّك رتبة محمودة وهي إجلاسه إيّاك على عرشه باعثا . وما ذكره في الوجه الثّاني حقّ لو أريد من الجلوس على العرش ظاهره ، إن أريد معنى آخر فلا نسلّم اللّازم ، وباب التّأويل واسع ، وقد أوّل الإجلاس معه على رفع المحلّ والتّشريف وهو مقول بالتّشكيك ، فمتى صحّ أنّ أهل الجنّة كلّهم يجلسون معه آمنا به مع إثبات المزيّة للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فاندفع ما ذكره في الوجه الرّابع ، ويردّ على ما في الوجه الخامس : أنّ الإجلاس معه لم يفهم من مجرّد البعث ، وما ادّعى أحد ذلك فكون بعث السّلطان فلانا يفهم منه أنّه أرسله إلى قوم لإصلاح مهمّاتهم ، ولا يفهم منه أنّه أجلسه مع نفسه لا يضرّنا ، كما لا يخفى على منصف . وبالجملة كلّ ما قيل أو يقال لا يصغى إليه إن صحّ التّفسير عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لكن يبقى حينئذ أنّه يلزم التّعارض بين ظواهر الرّوايات ، ومن هنا قال بعضهم : المراد بالمقام المحمود : ما ينتظم كلّ مقام يتضمّن كرامة له صلّى اللّه عليه وسلّم ، والاقتصار في بعض الرّوايات على بعض لنكتة نحو ما مرّ . ووصفه بكونه ( محمودا ) إمّا باعتبار أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحمد اللّه تعالى عليه أبلغ الحمد ، أو باعتبار أنّ كلّ من يشاهده يحمده ، ولم يشترط أن يكون الحمد في مقابلة النّعمة ، ويدخل في هذا كلّ مقام له صلّى اللّه عليه وسلّم محمود في الجنّة . وكذا يدخل فيه ما جوّز مفتي الصّوفيّة سيّدي شهاب الدّين السّهرورديّ أن يكون المقام المحمود وهو إعطاؤه عليه السّلام مرتبة من العلم لم تعط لغيره من الخلق أصلا ، فإنّه ذكر في رسالة له في العقائد أنّ علم عوامّ المؤمنين يكون يوم القيامة كعلم علمائهم في الدّنيا ، ويكون علم العلماء إذ ذاك كعلم الأنبياء عليهم السّلام ويكون علم الأنبياء كعلم نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويعطى نبيّنا عليه السّلام من العلم ما لم يعط أحد من العالمين ، ولعلّه المقام المحمود ، ولم أر ذلك لغيره عليه الرّحمة واللّه تعالى أعلم . ثمّ هذا الاختلاف في المقام المحمود هنا لم يقع فيه في دعاء الأذان ، بل ادّعى العلّامة ابن حجر الهيتميّ أنّه فيه مقام الشّفاعة العظمى لفصل القضاء اتّفاقا ، فتأمّل في هذا المقام ، واللّه تعالى وليّ الإنعام والإفهام . ( 15 : 142 ) المراغيّ : [ ذكر الرّوايات في الشّفاعة ثمّ قال : ] وسرّ هذا أنّ الهداة في الأرض ، وهم الأنبياء ومن سلك نهجهم من الأئمّة والعلماء ، لا تشرق قلوبهم إلّا بتوجّههم إلى اللّه في أوقات الصّلوات ، فإذا قاموا للخلق داعين أشرقت مرايا نفوسهم الصّافية على ما يدعونهم من العباد ، فتضيء نفوسهم ، فيستجيبون لدعوتهم ، ويكون لهم المقام المحمود بينهم ، والثّناء العظيم الّذي هم له أهل ، إلى أنّهم يحسّون في أنفسهم سرورا ولذّة وبهجة ورضا ، فيحمدون مقامهم كما حمدهم النّاس من حولهم ، واللّه والملائكة من فوقهم . لا جرم أنّ هذا المقام المحمود بالرّشد والإرشاد يتبعه