له قولين مهجورين عند أهل العلم ، أحدهما : تأويل المقام المحمود بهذا الإجلاس ، والثّاني : تأويل إلى ربّها ناظرة بانتظار الثّواب .
وذكر النّقّاش عن أبي داود السّجستانيّ أنّه قال :
من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متّهم ، فما زال أهل العلم يحدّثون به ، قال ابن عطيّة : أراد من أنكره على تأويله فهو متّهم ، وقد يؤوّل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم يجلسني معه على رفع محلّه وتشريفه على خلقه كقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ
الأعراف : 206 ، وقوله سبحانه حكاية :
ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً
التّحريم : 11 ، وقوله تعالى :
وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
العنكبوت : 69 ، إلى غير ذلك ممّا هو كناية عن المكانة لا عن المكان .
وأنت تعلم أنّه لا ينبغي لمجاهد ولا لغيره أن يفسّر المقام المحمود بالإجلاس على العرش حسبما سمعت ، من غير أن يثبت عنده ذلك الإجلاس في خبر ، كخبر الدّيليّ عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله سبحانه :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ
إلخ يجلسني معه على السّرير » فإن تمسّك المفسّر بهذا أو نحوه لم يناظر إلّا بالطّعن في صحّته ، وبعد إثبات الصّحة لا مجال للمؤمن إلّا التّسليم ، وما ذكره الواحديّ لا يستلزم عدم الصّحّة ، فكم .
وكم من حديث نصّوا على صحّته ويلزم من ظاهره المحال ، كحديث أبي سعيد الخدريّ المشتمل على رؤية المؤمنين اللّه عزّ وجلّ ، ثمّ إتيانه إيّاهم في أدنى صورة من الّتي رأوه فيها ، وقوله تعالى لهم :
أَنَا رَبُّكُمْ *
وقولهم :
نعوذ باللّه تعالى منك حتّى يكشف لهم عن ساق فيسجدون ثمّ يرفعون رؤوسهم وقد تحوّل في صورته الّتي رأوه فيها أوّل مرّة ، وهو في الصّحيحين ، وحديث لقيط بن عامر المشتمل على قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « تلبثون ما لبثتم ثمّ يتوفّى نبيّكم ثمّ تلبثون ما لبثتم ثمّ تبعث الصّائحة - لعمر إلهك - لا تدع على ظهرها شيئا إلّا مات والملائكة الّذين مع ربّك عزّ وجلّ ، فأصبح ربّك يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد » الحديث ، وقد رواه أئمّة السّنّة في كتبهم وتلقّوه بالقبول وقابلوه بالتّسليم والانقياد إلى ما لا يحصى من هذا القبيل ، ومذاهب المحدّثين وأهل الفكر من العلماء في الكلام على ذلك ممّا لا تخفى ، ومتى أجريت هناك فلتجر هنا فالكلّ قريب من قريب .
والصّوفيّة يقولون : إنّ للّه عزّ وجلّ الظّهور فيما يشاء على ما يشاء ، وهو سبحانه في حال ظهوره . باق على إطلاقه حتّى عن قيد الإطلاق ، فإنّه العزيز الحكيم ، ومتى ظهر جلّ وعلا في صورة أجريت عليه سبحانه أحكامها من حيث الظّهور ، فيوصف عزّ مجده عندهم بالجلوس ونحوه من تلك الحيثيّة ، وينحلّ بذلك أمور كثيرة إلّا أنّه مبنيّ على ما دون إثباته خرط القتاد .
ويردّ على ما ذكره الواحديّ في الوجه الثّالث أنّ المقام وإن كان في الأصل بمعنى محلّ القيام ، إلّا أنّه شاع في مطلق المحلّ ويطلق على الرّتبة والشّرف ، وعلى ما ذكره في الوجه الأوّل أنّه ليس هناك إلّا تفسير المقام المحمود بالإجلاس . لا تفسير البعث بالإجلاس » . نعم فيه مسامحة ، والمراد أنّ إحلاله في المحلّ المحمود هو إجلاسه