الأئمّة يتأوّل القرآن فإنّ له قولين مهجورين عند أهل العلم : أحدهما : هذا ، والثّاني : في تأويل قوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
القيمة : 22 ، 23 ، قال : تنتظر الثّواب ، ليس من النّظر .
قلت : ذكر هذا في باب ابن شهاب في حديث التّنزيل . وروى عن مجاهد أيضا في هذه الآية قال :
يجلسه على العرش . وهذا تأويل غير مستحيل ؛ لأنّ اللّه تعالى كان قبل خلقه الأشياء كلّها والعرش قائما بذاته ، ثمّ خلق الأشياء من غير حاجة إليها ، بل إظهارا لقدرته وحكمته ، وليعرف وجوده وتوحيده وكمال قدرته وعلمه بكلّ أفعاله المحكمة ، وخلق لنفسه عرشا استوى عليه كما شاء من غير أن صار له مماسّا ، أو كان العرش له مكانا . قيل : هو الآن على الصّفة الّتي كان عليها من قبل أن يخلق المكان والزّمان ؛ فعلى هذا القول سواء في الجواز أقعد محمّد على العرش أو على الأرض ، لأنّ استواء اللّه تعالى على العرش ليس بمعنى الانتقال والزّوال وتحويل الأحوال من القيام والعقود والحال الّتي تشغل العرش ، بل هو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه بلا كيف .
وليس إقعاده محمّدا على العرش موجبا له صفة الرّبوبيّة أو مخرجا له عن صفة العبوديّة ، بل هو رفع لمحلّه وتشريف له على خلقه . وأمّا قوله في الأخبار : « معه » فهو بمنزلة قوله :
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ
الأعراف :
206 ، و
رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ
التّحريم :
11 ،
وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
العنكبوت : 69 ، ونحو ذلك . كلّ ذلك عائد إلى الرّتبة والمنزلة والحظوة والدّرجة الرّفيعة ، لا إلى المكان .
الرّابع : إخراجه من النّار بشفاعته من يخرج ؛ قاله جابر بن عبد اللّه ، ذكره مسلم . وقد ذكرناه في كتاب « التّذكرة » ، واللّه الموفّق .
اختلف العلماء في كون القيام باللّيل سببا للمقام المحمود على قولين :
أحدهما : أنّ البارئ تعالى يجعل ما شاء من فعله سببا لفضله من غير معرفة بوجه الحكمة فيه ، أو بمعرفة وجه الحكمة .
الثّاني : أنّ قيام اللّيل فيه الخلوة مع البارئ والمناجاة دون النّاس ، فأعطى الخلوة به ومناجاته في قيامه وهو المقام المحمود . ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم ، فأجلّهم فيه درجة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فإنّه يعطى ما لا يعطى أحد ويشفع ما لا يشفع أحد . و ( عسى ) من اللّه عزّ وجلّ واجبة . و ( مقاما ) نصب على الظّرف ، أي في مقام أو إلى مقام . وذكر الطّبريّ عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « المقام المحمود هو المقام الّذي أشفع فيه لأمّتي » .
فالمقام : الموضع الّذي يقوم فيه الإنسان للأمور الجليلة كالمقامات بين يدي الملوك . ( 10 : 309 )
البيضاويّ : مقاما يحمده القائم فيه وكلّ من عرفه ، وهو منطلق في كلّ مقام يتضمّن كرامة ، والمشهور أنّه مقام الشّفاعة . [ إلى أن قال : ]
ولإشعاره بأنّ النّاس يحمدونه لقيامه فيه وما ذاك إلّا مقام الشّفاعة . وانتصابه على الظّرف بإضمار فعله ، أي فيقسمك مقاما ، أو بتضمين ( يبعثك ) معناه أو الحال بمعنى