وأمّا وصفه بهما على الحقيقة فيأباه مقام الاستهزاء ، اللّهمّ إلّا أن يراد بالصّلاة الدّين ، كما قيل . ( 3 : 342 )
البروسويّ : الأحمق السّفيه بلغة مدين ، كما في « ربيع الأبرار » . وقال في « الكواشي » : تتعاطى الحلم والرّشد ولست كذلك ، أي ما أنت بحليم ولا رشيد فيما تأمرنا وترشدنا إليه .
وقال أكثر أهل التّفسير : أرادوا السّفيه الضّالّ الغاوي ، فتهكّموا به كما يتهكّم بالشّحيح ، فيقال : لو أبصرك حاتم لتعلّم منك الجود . وبالمستجهل والمستخفّ ، فيقال : يا عالم يا حليم . فهو إذا من قبيل الاستعارة التّبعيّة ، نزّلوا التّضادّ منزلة التّناسب على سبيل الهزؤ ، فاستعاروا الحلم والرّشد للسّفه والغواية ، ثمّ سرت الاستعارة منهما إلى الحليم الرّشيد . ( 4 : 174 )
الآلوسيّ : وصفوه عليه السّلام بهذين الوصفين الجليلين على طريقة الاستعارة التّهكّميّة ، فالمراد بهما ضدّ معناهما ، وهذا هو المرويّ عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما ، وإليه ذهب قتادة والمبرّد .
وجوّز أن يكونوا وصفوه بذلك بناء على الزّعم ، والجملة تعليل لما سبق من استبعاد ما ذكروه ، كأنّهم قالوا : كيف تكلّفنا بما تكلّفنا مع أنّك أنت الحليم الرّشيد بزعمك .
وقيل : يجوز أن يكون تعليلا باقيا على ظاهره ، بناء على أنّه عليه السّلام كان موصوفا عندهم بالحلم والرّشد ، وكان ذلك بزعمهم مانعا من صدور ما صدر منه عليه السّلام .
ورجّح الأوّل بأنّه الأنسب بما قبله ، لأنّه تهكّم أيضا ، ورجّح الأخير بأنّه يكون الكلام عليه نظير ما مرّ في قصّة صالح عليه السّلام ، من قولهم له :
قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا
هود : 62 . ( 12 : 118 )
رشيد رضا : الحليم : العاقل الكامل في أناته وتروّيه ، فلا يتعجّل بأمر قبل الثّقة من صحّته .
والرّشيد : الرّاسخ في هدايته وهديه ، فلا يأمر إلّا بما استبان له من الخير والرّشد . ووصفه بهما وصفا مؤكّدا بالجملة الاسميّة ، و « إنّ » و « اللّام » في تعليل إنكارهم لما أمرهم به وما نهاهم عنه ، كلاهما صريح في الاستهزاء به ، والتّعريض بما يعتقدون من اتّصافه بضدّهما ، وهو الجهالة والسّفه في الرّأي ، والغواية في الفعل بهوس الصّلاة .
( 12 : 144 )
الطّباطبائيّ : إنّ قولهم :
أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ . . .
إلى قوله :
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
مبنيّ على التّهكّم والاستهزاء ، إلّا أنّ التّهكّم في تعليقهم أمر الصّلاه شعيبا على تركهم ما يعبد آباؤهم ، وكذا في نسبة الأمر إلى الصّلاة لا غير .
وأمّا نسبة الحلم والرّشد إليه فليس فيها تهكّم واستهزاء ، ولذلك أكّد قوله :
إِنَّكَ لَأَنْتَ . . .
ب « إنّ » و « اللّام » وإتيان الخبر جملة اسميّة ، ليكون أقوى في إثبات الحلم والرّشد له ، فيصير أبلغ في ملامته والإنكار عليه ، وأنّ الّذي لا شكّ في حلمه ورشده قبيح عليه أن يقدم على مثل هذا الأمر السّفهيّ ، وينتهض على سلب حرّيّة النّاس واستقلالهم ، في الشّعور والإرادة .
وظهر بذلك أنّ ما ذكره كثير منهم أنّهم وصفوه