الأحكام على قواعد العلم بمصلحة العباد ومنفعتهم ، يشير أيضا إلى وجوب مراقبة الوارثين والقوّام على التّركات للّه تعالى في عملهم بتلك الأحكام ، لأنّه عليم لا يخفى عليه حال من يلتزم الحقّ في ذلك ، ويقف عند حدود اللّه عزّ وجلّ ، وحال من يتعدّى تلك الحدود بأكل شيء من الوصايا أو الدّين ، أو حقّ صغار الوارثين أو النّساء ، الّذي فرضه اللّه لهم كما كانت تفعل الجاهليّة ؛ ولذلك قال في الآية السّابقة :
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً .
فللتّذكير بعلمه تعالى هنا فائدتان : فائدة تتعلّق بحكمة التّشريع ، وفائدة تتعلّق بكيفيّة التّنفيذ .
وقد يخطر في البال أنّ المناسب الظّاهر في هذه الآية أن يقرن وصف العلم بوصف الحكمة كالآية الأخرى ، فيقال :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *
فما هي النّكتة في إيثار الوصف بالحلم على الوصف بالحكمة ، والمقام مقام تشريع ، وحثّ على اتّباع الشّريعة ، لا مقام حثّ على التّوبة فيؤتى فيه بالحلم ، الّذي يناسب العفو والرّحمة ؟
والجواب عن ذلك : أنّ التّذكير بعلم اللّه تعالى لمّا كان متضمّنا لإنذار من يتعدّى حدوده تعالى فيما تقدّم من الوصيّة والدّين والفرائض ووعيده ، وكان تحقّق الإنذار والوعيد بعقاب معتدي الحدود وهاضم الحقوق قد يتأخّر عن الذّنب ، وكان ذلك مدعاة غرور الغافل ، ذكّرنا تعالى هنا بحلمه ، لنعلم أنّ تأخّر نزول العقاب لا ينافي ذلك الوعيد والإنذار ، ولا يصحّ أن يكون سببا للجراءة والاغترار . فإنّ الحليم هو الّذي لا تستفزّه المعصية إلى التّعجيل بالعقوبة ، وليس في الحلم شيء من معنى العفو والرّحمة ، فكأنّه يقول : لا يغرّنّ الطّامع في الاعتداء ، وأكل الحقوق تمتّع بعض المعتدين بما أكلوا بالباطل ، فينسى علم اللّه تعالى بحقيقة حالهم ، ووعيده لأمثالهم ، فيظنّ أنّهم بمفازة من العذاب ، فيتجرّأ على مثل ما تجرّؤوا عليه من الاعتداء ، ولا يغرّنّ المعتدي نفسه ، تأخّر نزول الوعيد به ، فيتمادى في المعصية ، بدلا من المبادرة إلى التّوبة ، لا يغرّنّ هذا ولا ذاك تأخير العقوبة ، فإنّه إمهال يقتضيه الحلم ، لا إهمال من العجز أو عدم العلم .
وفائدة المذنب من حلم الحليم القادر أنّه يترك له وقتا للتّوبة والإنابة بالتّأمّل في بشاعة الذّنب وسوء عاقبته ، فإذا أصرّ المذنب على ذنبه ، ولم يبق للحلم فائدة في إصلاح شأنه ، يوشك أن يكون عقاب الحليم له أشدّ من عقاب السّفيه على البادرة عند حدوثها .
ومن الأمثال في ذلك : « اتّقوا غيظ الحليم » ذلك بأنّ غيظه لا يكون إلّا عند آخر درجات الحلم إذا لم تبق الذّنوب منه شيئا ، وعند ذلك يكون انتقامه عظيما . نعم إنّ حلم اللّه تعالى لا يزول ، ولكنّه يعامل به كلّ أحد بقدر معلوم
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ
الرّعد : 8 ، فلا ينبغي للعاقل أن يغترّ بحلمه تعالى ، كما أنّه لا ينبغي له أن يغترّ بكرمه
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ
الانفطار : 6 - 8 . ( 4 : 425 )
4 -
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ