مكّة يوم الفتح ؛ حيث دخلها عنوة غير محرم .
وفيه : « إنّ الصّلاة تحريمها التّكبير وتحليلها التّسليم » أي صار المصلّي بالتّسليم يحلّ له ما حرم عليه فيها بالتّكبير من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصّلاة وأفعالها ، كما يحلّ للمحرم بالحجّ عند الفراغ منه ما كان حراما عليه .
ومنه الحديث : « لا يموت لمؤمن ثلاثة أولاد فتمسّه النّار إلّا تحلّة القسم » . قيل : أراد بالقسم قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
مريم : 71 ، تقول العرب :
ضربه تحليلا وضربه تعذيرا ، إذا لم يبالغ في ضربه . وهذا مثل في القليل المفرط في القلّة ، وهو أن يباشر من الفعل الّذي يقسم عليه المقدار ؛ الّذي يبرّ به قسمه ، مثل أن يحلف على النّزول بمكان ، فلو وقع وقعة خفيفة أجزأه ، فتلك تحلّة قسمه . فالمعنى لا تمسّه النّار إلّا مسّة يسيرة مثل تحلّة قسم الحالف ، ويريد بتحلّته ؛ الورود على النّار والاجتياز بها . والتّاء في « التّحلّة » زائدة .
ومنه الحديث الآخر : « من حرس ليلة من وراء المسلمين متطوّعا لم يأخذه الشّيطان ، ولم ير النّار تمسّه إلّا تحلّة القسم ، قال اللّه تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها » .
ومنه حديث عمرو بن معدي كرب : « قال لعمر :
حلّا يا أمير المؤمنين فيما تقول » أي تحلّل من قولك .
وفي حديث أبي قتادة : « ثمّ ترك فتحلّل » أي لمّا انحلّت قواه ترك ضمّه إليه ، وهو « تفعّل » ، من الحلّ نقيض الشّدّ .
وفي حديث أنس : « قيل له : حدّثنا ببعض ما سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : وأتحلّل » ، أي أستثني .
وفيه : « أنّه سئل : أيّ الأعمال أفضل ؟ فقال : الحالّ المرتحل ، قيل : وما ذاك ؟ قال : الخاتم المفتتح ، وهو الّذي يختم القرآن بتلاوته ، ثمّ يفتتح التّلاوة من أوّله » شبّهه بالمسافر يبلغ المنزل فيحلّ فيه ، ثمّ يفتتح سيره ، أي يبتدؤه .
وكذلك قرّاء أهل مكّة إذا ختموا القرآن بالتّلاوة ابتدأوا وقرأوا الفاتحة وخمس آيات من أوّل سورة البقرة إلى
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ،
ثمّ يقطعون القراءة .
ويسمّون فاعل ذلك : الحالّ المرتحل ، أي ختم القرآن وابتدأ بأوّله ولم يفصل بينهما بزمان .
وقيل : أراد بالحالّ المرتحل : الغازي الّذي لا يقفل عن غزو إلّا عقبه بآخر .
وفي حديث بعض الصّحابة : « لا أوتى بحالّ ولا محلّل إلّا رجمتهما » جعل الزّمخشريّ هذا الأخير حديثا لا أثرا .
وفي هذه اللّفظة ثلاث لغات : حلّلت ، وأحللت ، وحللت ؛ فعلى الأولى جاء الحديث الأوّل ، يقال : حلّل فهو محلّل ومحلّل له ، وعلى الثّانية جاء الثّاني ، تقول :
أحلّ فهو محلّ ومحلّ له ، وعلى الثّالثة جاء الثّالث ، تقول :
حللت فأنا حالّ ، وهو محلول له .
وقيل : أراد بقوله : « لا أوتى بحالّ » أي بذي إحلال ، مثل قولهم : ريح لاقح ، أي ذات إلقاح .
والمعنى في الجميع : هو أن يطلّق الرّجل امرأته ثلاثا فيتزوّجها رجل آخر ، على شريطة أن يطلّقها بعد وطئها ، لتحلّ لزوجها الأوّل .