الْخِطابِ
ص : 20 . ( 5 : 502 )
الطّباطبائيّ : وقوله :
هَبْ لِي حُكْماً
يريد بالحكم ما تقدّم في قول موسى عليه السّلام :
فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً
الشّعراء : 21 ، هو كما تقدّم إصابة النّظر والرّأي في المعارف الاعتقاديّة والعمليّة الكلّيّة وتطبيق العمل عليها كما يشير إليه قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
الأنبياء : 25 ، - وهو وحي المعارف الاعتقاديّة والعمليّة الّتي يجمعها التّوحيد والتّقوى - وقوله تعالى :
وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ
الأنبياء : 73 - وهو وحي التّسديد والهداية إلى الصّلاح في مقام العمل - وتنكير الحكم لتفخيم أمره . ( 15 : 285 )
عبد الكريم الخطيب : أوّل ما طلبه إبراهيم من عطاء ربّه في هذه الدّنيا ، هو أن يهب اللّه له حكما ، أي سلطانا من العلم والحكمة ، يمسك به حقائق الأشياء ، ويقيمها على ميزانه ، وبهذا يكون في المقرّبين الصّالحين من عباد اللّه . ( 10 : 139 )
مكارم الشّيرازيّ : والحكم والحكمة كلاهما من جذر واحد ، والحكمة كما يقول عنها الرّاغب في « مفرداته » : هي الوصول إلى الحقّ عن طريق العلم ومعرفة الموجودات والأفعال الصّالحة ، وبتعبير آخر :
هي معرفة القيم والمعايير الّتي يستطيع الإنسان بها أن يعرف الحقّ حيثما كان ، ويميّز الباطل في أيّ ثوب كان ، وهو ما يعبّر عنه عند الفلاسفة بكمال قوّة النّظريّة . وهي الحقيقة الّتي تلقّاها لقمان من ربّه :
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ
لقمان : 12 ، وعبّر عنها بالخير الكثير في الآية :
269 ، من سورة البقرة :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً .
ويبدو أنّ للحكم مفهوما أسمى من الحكمة أي إنّه العلم المقترن بالاستعداد للتّنفيذ والعمل ، وبتعبير آخر : إنّ الحكم هو القدرة على القضاء الصّحيح الخالي من الهوى والخطأ !
أجل ، إنّ إبراهيم عليه السّلام يطلب من اللّه قبل كلّ شيء المعرفة العميقة الصّحيحة المقرونة بالحاكميّة ، لأنّ أيّ منهج لا يتحقّق دون هذا الأساس ! ( 11 : 353 )
فضل اللّه : أواجه به الأشياء والقضايا والأشخاص بالرّؤية الواضحة الّتي تتوازن فيها المعطيات الّتي تحيط بالأمور ، أو تتعمّق في داخلها ، فيصدر عنّي الحكم عليها بطريقة متوازنة سديدة ، لا تخضع للخطاء في التّقدير ، ولا للخلل في فهم الموقف ، في ما يتّصف به الحسّ الاجتماعيّ من وعي للمجتمع لما يصلحه ، ولما يفسده ، وما يختزنه العقل من عمق الحكمة ، ودقّة المعرفة ، ولما تتحرّك به الخطى من تركيز واستقامة . وهذا ما يطلبه المؤمن لنفسه عندما يريد العيش بين النّاس ، كعنصر حيّ فاعل في إدراكه للأمور وتقديره لحدودها ، وفي إصدار الأحكام عليها بشكل حاسم دقيق ، حتّى لا يبقى حائرا أمام الجهل ، ومهتزّا أمام العواصف ، فيكون الإنسان الّذي يعرف ما يريد لنفسه ، وما يريده للنّاس في ميزان المسؤليّة العامّة والخاصّة . وهذا ما يعطيه اللّه للأنبياء الّذين يرسلهم إلى النّاس ليقودوا الحياة من