تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
وذكر القتل والفرار . قلت : إنّما ورد لفظ الحكم هاهنا وفي سورة القصص منكّرا ، وهو مشعر بمغايرة كلّ منهما الآخر ، وقد ورد في خصوص التّوراة أنّها متضمّنة للحكم ، قال تعالى :
وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ
المائدة : 43 . وقد نزلت التّوراة بعد غرق فرعون وإنجاء بني إسرائيل . فمن الممكن أن يقال : إنّ موسى عليه السّلام أعطي مراتب من الحكم بعضها فوق بعض قبل قتل القبطيّ وبعد الفرار قبل العود إلى مصر وبعد غرق فرعون ، وقد خصّه اللّه في كلّ مرّة بمرتبة من الحكم حتّى تمّت له الحكمة بنزول التّوراة . وهذا بحسب التّمثيل نظير ما يرزق بعض النّاس أوان صباه سلامة في فطرته قلّما يميل معها طبعه إلى الشّرّ والفساد ، ثمّ إذا نشأ يعطي اعتدالا في التّعقّل وجودة في التّدبير ، فينبعث إلى اكتساب الفضائل فيرزق ملكة التّقوى . والصّفات الثّلاث في الحقيقة سنخ واحد ينمو ويزيد حالا بعد حال . ويظهر بما تقدّم عدم استقامة تفسير بعضهم الحكم بالنّبوّة لعدم دليل عليه من جهة اللّفظ ولا المقام . على أنّ اللّه سبحانه ذكر الحكم والنّبوّة في مواضع من كلامه وفرّق بينهما كقوله :
أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
آل عمران : 79 ، وقوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
الأنعام : 89 ، وقوله :
وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
الجاثية : 16 ، إلى غير ذلك . ( 15 : 262 ) مكارم الشّيرازيّ : هناك اختلاف بين كلمات المفسّرين في المراد من الحكم ما هو في هذه الآية ؟ أهو مقام النّبوّة ، أم مقام العلم ، أم سواهما ؟ لكن مع ملاحظة ذيل الآية نفسها ، المذكور فيها مقام الرّسالة بإزاء الحكم يتّضح أنّه لم يكن غير الرّسالة والنّبوّة ، والشّاهد الآخر على هذا الموضوع الآية : 79 ، من سورة آل عمران ؛ إذ تقول :
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ . . .
إنّ كلمة الحكم تعني في اللّغة المنع من أجل الإصلاح ، هذا هو الأصل فيما وضعت له ، ولذا سمّوا لجام الحيوان حكمة على وزن صدقة ، ثمّ أطلقت هذه الكلمة على ما يطابق الحكمة ، ومن هنا سمّي العقل والعلم حكما أيضا لهذا التّناسب . وقد يقال : إنّه يستفاد من الآية : 14 ، من سورة القصص أنّ موسى كان قد بلغ مقام الحكم والعلم قبل هذه القضيّة ؛ إذ تقول :
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً .
فنجيب على ذلك أنّ للعلم والحكمة مراحل مختلفة ، فكان موسى قد بلغ مرحلة منهما من قبل ، وحين بلغ مقام النّبوّة أدرك المرحلة الأكمل . ( 11 : 314 ) 7 -
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ .
الشّعراء : 83 ابن عبّاس : فهما وعلما . ( 310 ) نحوه مقاتل . ( 3 : 269 )