قلب العبد إلّا بخلق اللّه تعالى ، وقوله :
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
يدلّ على أنّ كون العبد صالحا ليس إلّا بخلق اللّه تعالى ، وحمل هذه الأشياء على الألطاف بعيد ، لأنّ عند الخصم كلّ ما في قدرة اللّه تعالى من الألطاف فقد فعله ، فلو صرفنا الدّعاء إليه لكان ذلك طلبا لتحصيل الحاصل ، وهو فاسد .
المطلب الثّالث : أنّ الحكم المطلوب في الدّعاء ، إمّا أن يكون هو العلم باللّه أو بغيره ، والثّاني باطل ، لأنّ الإنسان حال كونه مستحضرا للعلم بشيء لا يمكنه أن يكون مستحضرا للعلم بشيء آخر ، فلو كان المطلوب بهذا الدّعاء العلم بغير اللّه تعالى - والعلم بغير اللّه تعالى شاغل عن الاستغراق في العلم باللّه - كان هذا السّؤال طلبا لما يشغله عن الاستغراق في العلم باللّه تعالى ، وذلك غير جائز ، لأنّه لا كمال فوق ذلك الاستغراق .
فإذن المطلوب بهذا الدّعاء هو العلم باللّه .
ثمّ إنّ ذلك العلم إمّا أن يكون هو العلم باللّه تعالى الّذي هو شرط صحّة الإيمان أو غيره ، والأوّل باطل .
لأنّه لمّا وجب أن يكون حاصلا لكلّ المؤمنين فكيف لا يكون حاصلا عند إبراهيم عليه السّلام ، وإذا كان حاصلا عنده ، امتنع طلب تحصيله ، فثبت أنّ المطلوب بهذا الدّعاء درجات في معرفة اللّه تعالى أزيد من العلم بوجوده ، وبأنّه ليس بمتحيّز ، ولا حالّ في المتحيّز ، وبأنّه عالم قادر حيّ ، وما ذاك إلّا الوقوف على صفات الجلال ، أو الوقوف على حقيقة الذّات ، أو ظهور نور تلك المعرفة في القلب .
ثمّ هناك أحوال لا يعبّر عنها المقال ، ولا يشرحها الخيال ، ومن أراد أن يصل إليها فليكن من الواصلين إلى العين ، دون السّامعين للأثر . ( 24 : 147 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 19 : 58 )
البيضاويّ : كمالا في العلم والعمل استعدّ به لخلافة الحقّ ورياسة الخلق . ( 2 : 160 )
نحوه أبو السّعود . ( 5 : 47 )
النّسفيّ : حكمة أو حكما بين النّاس بالحقّ أو نبوّة لأنّ النّبيّ عليه السّلام ذو حكمة وذو حكم بين عباد اللّه .
( 3 : 187 )
البروسويّ : [ نحو البيضاويّ وأضاف : ]
فإنّ من يعلم شيئا ولا يأتي من العمل بما يناسب علمه لا يقال له : حكيم ، ولا لعلمه حكم وحكمة .
( 6 : 286 )
سيّد قطب : أعطني الحكمة الّتي أعرف بها القيم الصّحيحة والقيم الزّائفة ، فأبقى على الدّرب يصلني بما هو أبقى . ( 5 : 2605 )
ابن عاشور : والحكم : هو الحكمة والنّبوءة ، قال تعالى عن يوسف :
آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً
القصص :
14 ، أي النّبوءة . وقد كان إبراهيم - حين دعا - نبيّا ، فلذلك كان السّؤال طلبا للازدياد ، لأنّ مراتب الكمال لاحدّ لها بأن يعطى الرّسالة مع النّبوءة أو يعطى شريعة مع الرّسالة ، أو سأل الدّوام على ذلك . ( 19 : 155 )
مغنيّة : ليس المراد بالحكم هنا السّلطان ، بل الحكمة وفصل الخطاب .
وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ