النّفس النّاطقة إنّما تقوّى على أفعالها بواسطة استعمال الآلات الجسدانيّة ، وهذه الآلات في حال الصّغر تكون الرّطوبات مستولية عليها . فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزيّة على البدن نضجت تلك الرّطوبات وقلّت واعتدلت ، فصارت تلك الآلات البدنيّة صالحة لأن تستعملها النّفس الإنسانيّة .
وإذا كانت النّفس في أصل جوهرها شريفة فعند كمال الآلات البدنيّة تكمل معارفها وتقوّى أنوارها ويعظم لمعان الأضواء فيها . فقوله :
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ
إشارة إلى اعتدال الآلات البدنيّة ، وقوله :
آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً
إشارة إلى استكمال النّفس في قوّتها العمليّة والنّظريّة ، واللّه أعلم . ( 18 : 111 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 12 : 95 )
الخازن : يعنى آتينا يوسف بعد بلوغ الأشدّ نبوّة وفقها في الدّين . وقيل : حكما وإصابة في القول ، وعلما بتأويل الرّؤيا . وقيل : الفرق بين الحكيم والعالم : أنّ العالم هو الّذي يعلم الأشياء بحقائقها ، والحكيم هو الّذي يعمل بما يوجبه العلم . وقيل : الحكمة : حبس النّفس عن هواها وصونها عمّا لا ينبغي ، والعلم : هو العلم النّظريّ .
( 3 : 223 )
البروسويّ : كمالا في العلم والعمل استعدّ به الحكم بين النّاس بالحقّ ورياستهم . ( 4 : 223 )
الآلوسيّ : أي حكمة وهي في لسان الشّرع العلم النّافع المؤيّد بالعمل ، لأنّه بدونه لا يعتدّ به ، والعمل بخلاف العلم سفه ، أو حكما بين النّاس . ( 12 : 209 )
ابن عاشور : والحكم والحكمة مترادفان ، وهو :
علم حقائق الأشياء والعمل بالصّالح واجتناب ضدّه .
وأريد به هنا النّبوءة كما في قوله تعالى في ذكر داود وسليمان عليهما السّلام :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
الأنبياء : 79 .
والمراد بالعلم علم زائد على النّبوءة . ( 12 : 44 )
مغنيّة : والمراد بالحكم هنا الحكمة ، وهي وضع الشّيء في موضعه ، ومنها :
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
مريم : 12 ، والمعنى أنّ يوسف بعد أن استكمل الرّشد منحه اللّه العلم ، ووفّقه إلى العمل به . ( 4 : 298 )
الطّباطبائيّ : الحكم : هو القول الفصل وإزالة الشّكّ والرّيب من الأمور القابلة للاختلاف على ما يتحصّل من اللّغة ، ولازمه إصابة النّظر في عامّة المعارف الإنسانيّة ، الرّاجعة إلى المبدإ والمعاد ، والأخلاق النّفسانيّة ، والشّرائع والآداب المرتبطة بالمجتمع البشريّ . وبالنّظر إلى قوله عليه السّلام لصاحبيه في السّجن :
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ
يوسف : 40 ، وقوله بعد :
قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
يوسف : 41 ، يعلم أنّ هذا الحكم الّذي أوتيه كان هو حكم اللّه فكان حكمه حكم اللّه ، وهذا هو الّذي سأله إبراهيم عليه السّلام من ربّه ، إذ قال :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
الشّعراء : 83 .
( 11 : 118 )
عبد الكريم الخطيب : الحكم : الحكمة . وهي لمن آتاها اللّه ، سلطان مبين ، يملك به ما لا يملك أصحاب الملك والسّلطان . وقد استطاع يوسف عليه السّلام أن يبلغ بتلك الحكمة هذا السّلطان الّذي كان له في مصر فكان - وهو