11 -
. . . وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ .
يوسف : 67
الطّبريّ : يقول : ما القضاء والحكم إلّا للّه ، دون ما سواه من الأشياء ، فإنّه يحكم في خلقه بما يشاء ، فينفذ فيهم حكمه ، ويقضي فيهم ، ولا يردّ قضاؤه . ( 13 : 14 )
الطّوسيّ : أي ليس للفصل بين الأمور على ما تقتضيه الحكمة إلّا اللّه . ( 6 : 167 )
الفخر الرّازيّ : فاعلم أنّ الإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم ، ومأمور أيضا بأن يعتقد ويجزم بأنّه لا يصل إلّا ما قدّره اللّه تعالى ، وأنّ الحذر لا ينجي من القدر ، فإنّ الإنسان مأمور بأن يحذر عن الأشياء المهلكة والأغذية الضّارّة . . . بل الحقّ أنّ العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة ، وبعد ذلك السّعي البليغ والجدّ الجهيد فإنّه يعلم أنّ كلّ ما يدخل في الوجود لا بدّ وأن يكون بقضاء اللّه تعالى ومشيئته وسابق حكمه وحكمته . ثمّ إنّه تعالى أكّد هذا المعنى وقال :
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ .
واعلم أنّ هذا من أدلّ الدّلائل على صحّة قولنا في القضاء والقدر ، وذلك لأنّ الحكم عبارة عن الإلزام والمنع من النّقيض . وسمّيت حكمة الدّابّة بهذا الاسم ، لأنّها تمنع الدّابّة عن الحركات الفاسدة ، والحكم إنّما سمّي حكما ، لأنّه يقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر ، بحيث يصير الطّرف الآخر ممتنع الحصول ، فبيّن تعالى أنّ الحكم بهذا التّفسير ليس إلّا للّه سبحانه وتعالى ، وذلك يدلّ على أنّ جميع الممكنات مستندة إلى قضائه وقدره ومشيئته وحكمه ، إمّا بغير واسطة ، وإمّا بواسطة . ثمّ قال :
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ )
( 18 : 175 )
البيضاويّ : يصيبكم لا محالة أن قضى عليكم سوء ولا ينفعكم ذلك . ( 1 : 502 )
المراغيّ : أي ما الحكم في تدبير العالم ونظم الأسباب والمسبّبات إلّا للّه وحده . ( 13 : 17 )
ابن عاشور : وجملة :
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ
في موضع التّعليل لمضمون
وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ،
والحكم : هنا بمعنى التّصرّف والتّقدير ، ومعنى الحصر أنّه لا يتمّ إلّا ما أراده اللّه ، كما قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ )
الطّلاق : 3 ، وليس للعبد أن ينازع مراد اللّه في نفس الأمر ، ولكن واجبه أن يتطلّب الأمور من أسبابها ، لأنّ اللّه أمر بذلك ، وقد جمع هذين المعنيين قوله :
وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ) .
( 12 : 93 )
الطّباطبائيّ : أي لست أرفع حاجتكم إلى اللّه سبحانه بما أمرتكم به ، من السّبب الذّي تتّقون به نزول النّازلة ، وتتوسّلون به إلى السّلامة والعافية ، ولا أحكم بأن تحفظوا بهذه الحيلة ، فإنّ هذه الأسباب لا تغني من اللّه شيئا ، ولا لها حكم دون اللّه سبحانه فليس الحكم مطلقا إلّا للّه ، بل هذه أسباب ظاهريّة إنّما تؤثّر إذا أراد اللّه لها أن تؤثّر . ( 11 : 218 )