وقد استوحينا من قول الإمام عليّ عليه السّلام ، فإنّه لمّا سمع قول الخوارج : لا حكم إلّا للّه قال : « كلمة حقّ أريد بها الباطل ، نعم لا حكم إلّا للّه ، ولكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلّا للّه ، وإنّه لا بدّ للنّاس من أمير برّ ، أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر » أي إنّ حقّ التّشريع للّه وحده ، وعلى النّاس أن يطبّقوا ما شرّعه اللّه ، والّذي يحملهم على هذا هو هذا الأمير ، والخوارج خلطوا بين مصدر الشّريعة ، وبين من يطبّقها ويزاولها ، ولم يميّزوا بين الاثنين . ( 4 : 315 )
الطّباطبائيّ :
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ
ممّا لا ريب فيه البتّة ؛ إذ الحكم في أمر ما لا يستقيم إلّا ممّن يملك تمام التّصرّف ، ولا مالك للتّصرّف والتّدبير في أمور العالم وتربية العباد حقيقة إلّا اللّه سبحانه ، فلا حكم بحقيقة المعنى إلّا له . ( 11 : 177 )
عبد الكريم الخطيب : فالحكم بين النّاس ، والفصل فيما هم مختلفون فيه ، فيما يعبدون هو للّه .
( 6 : 1274 )
مكارم الشّيرازيّ : شعار
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ
الّذي هو شعار قرآنيّ إيجابيّ مثبت ، وهو ينفي أيّة حكومة كانت سوى حكومة اللّه أو ما تنتهي إلى حكومة اللّه ، إلّا أنّه - وللأسف - استغلّ على امتداد التّاريخ بشكل عجيب ، ومن ذلك استغلال الخوارج لهذا الشّعار في واقعة « النّهروان » ، وكانوا أناسا جامدين حمقى قشريّين منحرفين جدّا ، إذ تمسّكوا به لنفي التّحكيم في حرب صفّين ، وقالوا : لا يصحّ الحكم لنهاية الحرب أو الخليفة ، لأنّ اللّه يقول :
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ،
لقد كانوا غافلين أو متغافلين عن هذه المسألة البديهيّة ، وهي أنّ التّحكيم إذا كان قد تعيّن من أئمّة أمر اللّه باتّباع قيادتهم ، فحكمهم أيضا حكم اللّه لأنّه ينتهي إليه . صحيح أنّ الحكمين في حرب صفّين لم يتمّ تعيينهما من قبل الإمام عليّ عليه السّلام ولو كان الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام عيّنهما فإنّ حكمهما حكمه ، وحكم عليّ حكم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وحكم النّبيّ حكم اللّه .
وهل يا ترى يحكم اللّه أو يقضي مباشرة بين المجتمعات ؟ ! أو يتولّي أمور النّاس أشخاص من جنسهم ، غاية ما في الأمر ينتهي أمرهم إلى اللّه ، ولكنّ الخوارج ودون أن يتوجّهوا إلى هذه الحقيقة الواضحة ، أشكلوا على أصل قصّة التّحكيم على الإمام عليّ عليه السّلام وحتّى عدّوه - والعياذ باللّه - انحرافا من قبله ، يا لهذا الجهل والجمود والبلادة .
وهكذا فإنّ مثل هذه الأمور البنّاءة حين تقع بأيدي أفراد جهّال تتحوّل إلى أسوء الوسائل التّخريبيّة .
وفي هذا اليوم نرى مجموعة من النّاس ذوي النّفوس الحقيرة ، الّذين هم في الحقيقة لا يقلّون عن أولئك جهلا ولجاجة ، تمسّكوا بالآية المتقدّمة ، لنفي التّقليد عن المجتهدين ، أو نفي صلاحيّة حكومتهم ، لكن جوابهم جميعا هو ما ذكرناه آنفا . ( 7 : 195 )
9 و 10 - وجاء بهذا المعنى قوله :
. . . لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . *
القصص : 70 و 88