النّفوس وعلى الأمور . فما أرسل اللّه الرّسل إلّا ليطاعوا ، وما أنزل الكتاب إلّا ليحكم بين النّاس بالقسط ، كما جاء في الآيات الأخرى ، وكلّهم أوتي الحكمة ، وأوتي النّبوّة ، وأولئك هم الّذين وكّلهم اللّه بدينه ، يحملونه إلى النّاس ويقومون عليه ، ويؤمنون به ويحفظونه .
( 2 : 1144 )
ابن عاشور : والحكم هو الحكمة ، أي العلم بطرق الخير ودفع الشّرّ ، قال تعالى في شأن يحيى :
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
مريم : 12 ، ولم يكن يحيي حاكما ، أي قاضيا ، وقد يفسّر الحكم بالقضاء بالحقّ ، كما في قوله تعالى في شأن داود وسليمان :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
الأنبياء : 79 .
وإيتاء هذه الثّلاث على التّوزيع : فمنهم من أوتي جميعها وهم الرّسل منهم ، والأنبياء الّذين حكموا بين النّاس مثل داود وسليمان ، ومنهم من أوتي بعضها وهم الأنبياء غير الرّسل ، والصّالحون منهم غير الأنبياء ، وهذا باعتبار شمول اسم الإشارة لآبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم . ( 6 : 203 )
الطّباطبائيّ : الأصل في مادّة الحكم بحسب ما يتحصّل من موارد استعمالاتها هو المنع ، وبذلك سمّي الحكم المولويّ حكما ، لما أنّ الآمر يمنع به المأمور عن الإطلاق في الإرادة والعمل ، ويلجمه أن يقع على كلّ ما تهواه نفسه ، وكذا الحكم بمعنى القضاء ، يمنع مورد النّزاع من أن يتزلزل بالمنازعة والمشاجرة ، أو يفسد بالتّعدّي والجور ، وكذا الحكم بمعنى التّصديق ، يمنع القضيّة من تطرّق الشّكّ إليه . والإحكام والاستحكام يشعران عن حال في الشّيء ، يمنعه من دخول ما يفسده بين أجزائه ، أو استيلاء الأمر الأجنبيّ في داخله ، والإحكام يقابل بوجه التّفصيل الّذي هو جعل الشّيء فصلا فصلا ، يبطل بذلك التئام أجزائه وتوحّدها . قال تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
هود : 1 . وإلى ذلك يعود معنى المحكم الّذي يقابل المتشابه . [ ثمّ نقل قول الرّاغب وأضاف : ]
والحكم إذا نسب إلى اللّه سبحانه : فإن كان في تكوين ، أفاد معنى القضاء الوجوديّ ، وهو الإيجاد الّذي يساوق الوجود الحقيقيّ ، والواقعيّة الخارجيّة بمراتبها ، قال تعالى :
وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ
الرّعد : 41 ، وقال :
وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
البقرة : 117 ، ومنه بوجه قوله :
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ
المؤمن : 48 .
وإن كان في تشريع ، أفاد معنى التّقنين والحكم المولويّ ، قال تعالى :
وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ
المائدة : 43 وقال :
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً
المائدة : 50 .
وإذا نسب إلى الأنبياء عليهم السّلام أفاد معنى القضاء ، وهو من المناصب الإلهيّة الّتي أكرمهم بها ، قال تعالى :
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
المائدة : 48 ، وقال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ
الأنعام : 89 .
ولعلّ في بعض الآيات إشعارا أو دلالة على إيتائهم