أحدها : الّذين يحكمون على بواطن النّاس وعلى أرواحهم ، وهم العلماء .
وثانيها : الّذين يحكمون على ظواهر الخلق وهم السّلاطين ، يحكمون على النّاس بالقهر والسّلطنة .
وثالثها : الأنبياء ، وهم الّذين أعطاهم اللّه تعالى من العلوم والمعارف ما لأجله بها يقدرون على التّصرّف في بواطن الخلق وأرواحهم ، وأيضا أعطاهم من القدرة والمكنة ما لأجله يقدرون على التّصرّف في ظواهر الخلق . ولمّا استجمعوا هذين الوصفين لا جرم كانوا هم الحكّام على الإطلاق .
إذا عرفت هذه المقدّمة فقوله :
آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
إشارة إلى أنّه تعالى أعطاهم العلم الكثير ، وقوله :
وَالْحُكْمَ
إشارة إلى أنّه تعالى جعلهم حكّاما على النّاس ، نافذي الحكم فيهم بحسب الظّاهر . . . وللنّاس في هذه الألفاظ الثّلاثة تفسيرات كثيرة ، والمختار عندنا ما ذكرناه . ( 13 : 67 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 7 : 151 )
البيضاويّ : الحكمة ، أو فصل الأمر على ما يقتضيه الحقّ . ( 1 : 320 )
نحوه أبو السّعود ( 2 : 412 ) ، والكاشانيّ ( 2 :
137 ) ، والبروسويّ ( 3 : 62 ) ، والقاسميّ ( 6 : 2400 ) .
النّسفيّ : والحكمة ، أو فهم الكتاب . ( 2 : 22 )
أبو حيّان : والحكم : الحكمة ، أو الحكم بين الخصوم ، أو ما شرّعوه ، أو فهم الكتاب ، أو الفقه في دين اللّه أقوال . ( 4 : 175 )
الشّربينيّ : أي العمل المتقن بالعلم . ( 1 : 434 )
الآلوسيّ : أي فصل الأمر بين النّاس بالحقّ ، أو الحكمة وهي معرفة حقائق الأشياء . ( 7 : 215 )
رشيد رضا : [ نقل أقوال اللّغويّين ثمّ قال : ]
وأقول : إنّ الحكم بمعنى العلم الجزم وفقه الأمور ، وهو حكمتها فيه معنى المنع أيضا : وهو منع الاحتمالات والظّنون فمن ليس له حكم جازم في المسألة ، لا يكون عالما بها ، وما يقال في المسألة الواحدة يقال في كلّ علم وفنّ ، وكذا منع العالم الحكيم من مخالفة مقتضى العلم .
ومن الواضح الجليّ أنّ كلّ نبيّ من الأنبياء قد آتاه اللّه الحكم بهذا المعنى ، أي العلم الصّحيح والفقه في أمور الدّين وشؤون الإصلاح ، وفهم الكتاب الّذي تعبّده به ، سواء أنزله عليه أم أنزله على غيره . وإنّما اختصّ بعضهم بإتيانه الحكم صبيّا ، كيحيى وعيسى ، ولعلّ المراد به ملكة الحكم الصّحيح في الأمور . وأمّا الحكم بمعنى القضاء والفصل في الخصومات فلم يؤته إلّا بعض الأنبياء . ( 7 : 591 )
نحوه المراغيّ . ( 7 : 183 )
سيّد قطب : والحكم : يجيء بمعنى الحكمة كما يجيء بمعنى السّلطان كذلك ، وكلا المعنيين محتمل في الآية . فهؤلاء الرّسل أنزل اللّه على بعضهم الكتاب كالتّوراة مع موسى ، والزّبور مع داود ، والإنجيل مع عيسى ، وبعضهم آتاه اللّه الحكم كداود وسليمان وكلّهم أوتي السّلطان على معنى أنّ ما معه من الدّين هو حكم اللّه ، وأنّ الدّين الّذي جاؤوا به يحمل سلطان اللّه على