يضلّلوا بها المؤمنين عن دينهم ، في ما يثيرونه حولهم من الأجواء المحمومة الّتي تثير المشاعر وتهزّ النّفوس ، أو في ما يحشدونه من المعلومات الكاذبة الّتي يريدون من خلالها توجيه الأمور في غير وجهتها الصّحيحة ، لينحرفوا بالحكم عن الحقّ ، وذلك من أجل اكتشاف اللّعبة الملتوية المزخرفة الّتي تتمثّل في أكثر من أسلوب ، وأكثر من وجه .
رابعا : إنّ الحكم حكمان : حكم الجاهليّة ، وهو الحكم الّذي يرتكز على الباطل ، ويبتعد عن وحي اللّه ، ممّا يصنعه البشر لأنفسهم انطلاقا من مصالحهم ومنافعهم وأنانيّتهم ، بعيدا عن اللّه ؛ وحكم اللّه الّذي شرّعه لعباده في ما أوحى به لرسله ، ممّا ينسجم مع مصالح الإنسان كإنسان ، بعيدا عن كلّ الخصوصيّات الّتي ترهق إنسانيّته وتعطّل مسيرته نحو الخير . ولا بدّ لنا من الدّخول في عمليّة المقارنة دائما بين هذين الحكمين ، ليبقى النّاس على وعي عميق منفتح بما يمثّله حكم اللّه من خير وبركة ورحمة للإنسان وللحياة - كما توحي به الآية الأخيرة - وليبقى الهاجس الّذي يعيش في همّ المجتمع من أجل تأكيد استمراره في حركة الحياة في ما يحكم به الحكّام ، وفي ما يطبّقه النّاس ، من أجل حفظه ورعايته وإصابته .
وقد ورد عن الإمام جعفر الصّادق عليه السّلام : « إنّ الحكم حكمان : حكم اللّه ، وحكم الجاهليّة ، ثمّ قال :
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
قال : فأشهد أنّ زيدا قد حكم بحكم الجاهليّة ، يعني في الفرائض » . ( 8 : 20 )
3 -
. . . وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .
الممتحنة : 10
الطّبريّ : يقول تعالى ذكره : هذا الحكم الّذي حكمت بينكم من أمركم أيّها المؤمنون ، بمسألة المشركين ما أنفقتم على أزواجكم اللّاتي لحقن بهم ، وأمرهم بمسألتكم مثل ذلك في أزواجهنّ اللّاتي لحقن بكم ، حكم اللّه بينكم فلا تعتدوه ، فإنّه الحقّ الّذي لا يسمع غيره ، فانتهى المؤمنون من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما ذكر إلى أمر اللّه وحكمه ، وامتنع المشركون منه ، وطلبوا الوفاء بالشّروط الّتي كانوا شارطوها بينهم في ذلك الصّلح ، وبذلك جاءت الآثار والأخبار عن أهل السّير وغيرهم .
( 28 : 73 )
نحوه الطّوسيّ ( 9 : 585 ) ، والواحديّ ( 4 : 286 ) ، والزّمخشريّ ( 4 : 94 ) ، والطّبرسيّ ( 5 : 274 ) ، والقرطبيّ ( 18 : 68 ) ، والبيضاويّ ( 2 : 471 ) ، والنّسفيّ ( 4 : 249 ) ، والشّربينيّ ( 4 : 268 ) ، والمشهديّ ( 10 :
381 ) ، والبروسويّ ( 9 : 486 ) ، والقاسميّ ( 16 :
5773 ) ، وابن عاشور ( 28 : 143 ) ، والطّباطبائيّ ( 19 :
241 ) ، وفضل اللّه ( 22 : 166 ) .
4 -
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ .
القلم : 48
الطّبريّ : يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم : فاصبر يا محمّد لقضاء ربّك وحكمه فيك ، وفي هؤلاء المشركين بما أتيتهم به من هذا القرآن وهذا الدّين ، وامض لما أمرك به ربّك ، ولا يثنيك عن تبليغ ما أمرت بتبليغه تكذيبهم