وقضاياهم ، لأنّهم متساوون أمام الشّريعة في ساحة الواقع والقضاء .
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً
في عناصره الحيّة من حيث انسجامه مع المصلحة الإنسانيّة في صعيد القيم الرّوحيّة والأخلاقيّة والحاجات الحيويّة للإنسان ، ممّا يفرض الخضوع له ، والانفتاح عليه ، والثّقة به .
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
بالعدالة الإلهيّة في الحكم والتّشريع من موقع إيمانهم بالرّبوبيّة المطلقة للّه الّتي ترعى كلّ المخلوقين بالحكمة واللّطف والرّحمة ، على صعيد العدل الّذي ينطلق من الجانب الموضوعيّ للمسألة في الواقع الإنسانيّ العامّ ، من دون تفريق بين قويّ وضعيف ، وكبير وصغير ، وغنيّ وفقير ، لأنّ الجميع عباده ، فلا حاجة لديه إلى أحد دون أحد ليظلم هذا أو ذاك ، فإنّ الظّلم شأن الضّعيف الّذي يعيش الضّعف أمام الآخر والخوف منه ، فيلجأ إلى ظلمه ، واللّه هو القويّ القادر على كلّ شيء .
وقد ورد في أكثر من حديث التّأكيد على حكم اللّه في مقابل حكم الجاهليّة ، فقد ورد الحديث عن الإمام جعفر الصّادق عليه السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال : « الحكم حكمان : حكم اللّه ، وحكم الجاهليّة ، فمن أخطأ حكم اللّه حكم بحكم الجاهليّة » .
وأخرج البخاريّ عن ابن عبّاس قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أبغض النّاس إلى اللّه مبتغ في الإسلام سنّة جاهليّة ، وطالب امرئ بغير حقّ ليريق دمه » .
ونستفيد من ذلك أنّ الجاهليّة ليست مرحلة زمنيّة تتمثّل في شرائعها وعاداتها وتقاليدها وأحكامها ، بل هي نهج في الخطّ الفكريّ الّذي يتحرّك في كلّ قضاياه وأوضاعه ، بعيدا عن اللّه بحيث لا يستهدي اللّه في ذلك ، ولا يخضع لرسالاته ورسله ، بل ينطلق في تشريعاته وأحكامه من العوامل الذّاتيّة ، ومن المواقع السّلطويّة الّتي تفرض نفسها على النّاس بالقوّة ، من دون أن تملك أيّة شرعيّة في مواقعها وتحرّكاتها .
وعلى ضوء ذلك ، فإنّ النّظرة الإسلاميّة تؤكّد على أنّ أيّ حكم في المجال التّشريعيّ أو القضائيّ لا ينسجم مع حكم اللّه هو حكم الجاهليّة ، ولو كان صادرا في العصر الحاضر ، فإنّ كلمة الجاهليّة تتحوّل - من خلال هذه النّظرة - إلى ذهنيّة مادّيّة متحرّكة مع الواقع المادّيّ في الحياة في الاتّجاه الّذي لا يجد للدّين أيّ دور في أحكامه وقضاياه ، تماما كما لو لم يكن موجودا في حياة النّاس .
وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في مورد آخر في تعبير آخر وهو حكم الطّاغوت ، وذلك قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً
النّساء : 60 .
وفي ضوء ذلك يمكن لنا أن نواجه كلّ الواقع التّشريعيّ الوضعيّ الّذي يتحرّك في بلاد المسلمين في خطّ العلمانيّة ، لنعتبره داخلا في حكم الجاهليّة أو حكم الطّاغوت ، وخارجا عن حكم اللّه وعن ولايته .