حكم اللّه النّازل إليهم ، والحقّ الّذي علموا أنّه حقّ .
ويمكن أن يكون في مقام النّتيجة اللّازمة لما بيّن في جميع الآيات السّابقة . والمعنى : وإذا كانت هذه الأحكام والشّرائع حقّة نازلة من عند اللّه ، ولم يكن وراءها حكم حقّ ، لا يكون دونها إلّا حكم الجاهليّة النّاشئة عن اتّباع الهوى ، فهؤلاء الّذين يتولّون عن الحكم الحقّ ما ذا يريدون بتولّيهم ، وليس هناك إلّا حكم الجاهليّة ؟
أفحكم الجاهليّة يبغون ؟ والحال أنّه ليس أحد أحسن حكما من اللّه لهؤلاء المدّعين للإيمان ؟ فقوله :
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ
استفهام توبيخيّ ، وقوله :
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً
استفهام إنكاريّ ، أي لا أحد أحسن حكما من اللّه ، وإنّما يتّبع الحكم لحسنه .
( 5 : 355 )
مكارم الشّيرازيّ : تساءلت بصيغة استفهام استنكاريّ : هل أنّ هؤلاء الّذين يدّعون اتّباع الكتب السّماويّة يتوقّعون أن تحكم بينهم ، - الخطاب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله - بأحكام الجاهليّة الّتي فيها أنواع التّمايز المقيت ؟
حيث تقول الآية :
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ . . . .
لكنّ أهل الإيمان لا يرون أيّ حكم أرفع وأفضل من حكم اللّه ، حيث تتابع الآية قولها :
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ .
ولقد بيّنّا - عند تفسير الآيات السّابقة - أنّ نوعا من التّمايز الغريب كان يسود الأوساط اليهوديّة ، بحيث لو أنّ فردا من يهود بني قريظة قتل فردا من يهود بني النّضير لتعرّض للقصاص ، بينما لو حصل العكس لم يكن ليطبق حكم القصاص في القاتل . وقد شمل هذا التّمايز المقيت - أيضا - حكم الغرامة والدّية عند هؤلاء ، فكانوا يأخذون ضعف الدّية من جماعة ، ولا يأخذونها من جماعة أخرى ، أو يأخذون أقلّ من الحدّ المقرّر ، ولذلك استنكر القرآن هذا النّوع من التّمايز واعتبره من أحكام الجاهليّة ، في حين أنّ الأحكام الإلهيّة تشمل البشر أجمعين ، وتطلق دون أيّ تمايز .
وجاء في « الكافيّ » عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أنّه قال : « الحكم حكمان : حكم اللّه ، وحكم الجاهليّة ، فمن أخطأ حكم اللّه حكم بحكم الجاهليّة » .
وهكذا يتّضح أنّ أيّ مسلم يتّبع الأحكام الوضعيّة ، ولا يلتزم بالأحكام والقوانين الإلهيّة السّماويّة ، إنّما يسير في الحقيقة في طريق الجاهليّة . ( 4 : 32 )
فضل اللّه : أي يريدون منك إصداره في القضيّة الّتي تحاكموا إليك فيها ، وهم - في أجواء الآية - اليهود الّذين كانوا إذا سرق الشّريف تركوه ، وإذا سرق الضّعيف أقاموا عليه الحدّ ، كما في قصّة أسباب النّزول ، بحيث كان للمركز الاجتماعيّ للشّخص دور كبير في طبيعة الحكم الصّادر له أو ضدّه ، تبعا للامتيازات الطّبقيّة والأهواء الذّاتيّة أو الفئويّة ، بعيدا عن حكم اللّه في التّوراة الّذي أكّده الإسلام في القرآن والسّنّة ، وهو الحكم العادل الّذي ينظر إلى طبيعة القضيّة من خلال عناصر الإثبات فيها ، من دون الالتفات إلى طبيعة الشّخص في دائرتها الواقعيّة ، وهذا ما يشعر فيه النّاس بالأمن على حقوقهم