عاقل ، لكونها لم يدع إليها كتاب ، بل هي مجرّد أهواء ، وهم أهل الكتاب . ( يبغون ) ، أي يريدون بإعراضهم عن حكمك مع ما دعا إليه كتابهم من اتّباعك ، وشهد كتابك المعجز عن معارضته من وجوب رسالتك إلى جميع الخلائق ، وهذا استفهام إنكاريّ .
وقرأ ابن عامر بالتّاء على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، وهو أدلّ على الغضب . والباقون بالياء على الغيبة .
وقيل : نزلت في بني قريظة والنّضير ، طلبوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحكم بما كان يحكم به الجاهليّة من التّفاضل بين القتلى ، أي بين ديات بعضهم على بعض .
( 1 : 379 )
أبو السّعود : إنكار وتعجيب من حالهم وتوبيخ لهم ، والفاء للعطف على مقدّر يقتضيه المقام ، أي أيتولّون عن حكمك فيبغون حكم الجاهليّة ؟ وتقديم المفعول للتّخصيص المفيد لتأكيد الإنكار والتّعجيب ، لأنّ التّولّي عن حكمه عليه الصّلاة والسّلام وطلب حكم آخر منكر عجيب ، وطلب حكم الجاهليّة أقبح وأعجب .
والمراد بالجاهليّة إمّا الملّة الجاهليّة الّتي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام ، فيكون تعييرا لليهود بأنّهم مع كونهم أهل كتاب وعلم يبغون حكم الجاهليّة الّتي هي هوى وجهل لا يصدر عن كتاب ولا يرجع إلى وحي .
وإمّا أهل الجاهليّة ، وحكمهم ما كانوا عليه من التّفاضل فيما بين القتلى ، حيث روي « أنّ بني النّضير لمّا تحاكموا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في خصومة قتل وقعت بينهم وبين بني قريظة ، طلبوا إليه عليه الصّلاة والسّلام أن يحكم بينهم بما كان عليه أهل الجاهليّة من التّفاضل ، فقال عليه الصّلاة والسّلام : « القتلى سواء » فقال بنو النّضير : نحن لا نرضى بذلك ، فنزلت .
وقرئ برفع « الحكم » على أنّه مبتدأ و ( يبغون ) خبره ، والرّاجع محذوف حذفه في قوله تعالى :
أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا
الفرقان : 41 ، وقد استضعف ذلك في غير الشّعر . وقرئ بتاء الخطاب إمّا بالالتفات لتشديد التّوبيخ ، وإمّا بتقدير القول ، أي قل لهم :
أفحكم . . . وقرئ بفتح الحاء والكاف ، أي أفحاكما كحكّام الجاهليّة يبغون .
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً
إنكار لأن يكون أحد حكمه أحسن من حكمه تعالى أو مساو له ، وإن كان ظاهر السّبك غير متعرّض لنفي المساواة وإنكارها .
وقد مرّ تفصيله في تفسير قوله تعالى :
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
النّساء : 125 .
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
أي عندهم ، واللّام كما في
هَيْتَ لَكَ
يوسف : 23 ، أي هذا الاستفهام لهم ، فإنّهم الّذين يتدبّرون الأمور بأنظارهم ، فيعلمون يقينا أنّ حكم اللّه عزّ وجلّ أحسن الأحكام وأعدلها . ( 2 : 282 )
نحوه الآلوسيّ ( 6 : 155 ) ، والمراغيّ ( 6 : 133 ) ، وابن عاشور ( 5 : 128 ) .
الطّباطبائيّ : تفريع بنحو الاستفهام على ما بيّن في الآية السّابقة من تولّيهم مع كون ما يتولّون عنه هو