فيهم بالقسط - حكم الجاهليّة ، يعني أحكام عبدة الأوثان من أهل الشّرك ، وعندهم كتاب اللّه ، فيه بيان حقيقة الحكم ، الّذي حكمت به فيهم ، وإنّه الحقّ الّذي لا يجوز خلافه ، ثمّ قال تعالى ذكره موبّخا لهؤلاء الّذين أبوا قبول حكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم ، ولهم من اليهود ، ومستجهلا فعلهم ذلك منهم ، ومن هذا الّذي هو أحسن حكما أيّها اليهود من اللّه تعالى ذكره عند من كان يوقن بوحدانيّة اللّه ويقرّ بربوبيّته ؟ يقول تعالى ذكره : أيّ حكم أحسن من حكم اللّه إن كنتم موقنين أنّ لكم ربّا ، وكنتم أهل توحيد وإقرار به . ( 6 : 274 )
الزّجّاج : أي تطلب اليهود في حكم الزّانيين حكما لم يأمر اللّه به - وهو « 1 » أهل الكتاب - كما تفعل الجاهليّة .
وقوله :
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً . . .
أي من أيقن تبيّن عدل اللّه وحكمه . و ( حكما ) منصوب على التّفسير « 2 » . ( 2 : 181 )
نحوه الواحديّ . ( 2 : 196 )
الطّوسيّ : قيل : فيها قولان :
أحدهما : أنّها كناية عن اليهود في قول مجاهد وأبو عليّ ، قال أبو عليّ : لأنّهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إيّاه ، وإذا وجب على أقويائهم بالغنى والشّرف في الدّنيا لم يأخذوهم به ، فقيل لهم :
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ
يعني عبدة الأوثان ( تبغون ) وأنتم أهل كتاب .
الثّاني : أنّها كناية عن كلّ من طلب غير حكم اللّه ، أي إنّما خرج منه إلى حكم الجاهليّة ، وكفى بذلك خزيا أن يحكم بما يوجبه الجهل دون ما يوجبه العلم . ( 5493 )
نحوه الطّبرسيّ . ( 2 : 205 )
الزّمخشريّ : فيه وجهان :
أحدهما : أنّ قريظة والنّضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهليّة ، من التّفاضل بين القتلى .
وروي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لهم : « القتلى سواء » ، فقال بنو النّضير : نحن لا نرضى بذلك ، فنزلت .
والثّاني : أن يكون تعييرا لليهود بأنّهم أهل كتاب وعلم ، وهم يبغون حكم الملّة الجاهليّة الّتي هي هوى وجهل ، لا تصدر عن كتاب ولا ترجع إلى وحي من اللّه تعالى . وعن الحسن : هو عامّ في كلّ من يبغي غير حكم اللّه .
والحكم حكمان : حكم بعلم فهو حكم اللّه ، وحكم بجهل فهو حكم الشّيطان . وسئل طاووس عن الرّجل يفضّل بعض ولده على بعض ، فقرأ هذه الآية .
وقرأ السّلميّ ( أفحكم الجاهليّة يبغون ) برفع الحكم على الابتداء وإيقاع ( يبغون ) خبرا ، وإسقاط الرّاجع عنه كإسقاطه عن الصّلة في :
أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا
الفرقان 41 ، وعن الصّفة في « النّاس رجلان :
رجل أهنت ، ورجل أكرمت » ، وعن الحال في « مررت بهند يضرب زيد » .
وقرأ قتادة
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ
على أنّ هذا الحكم الّذي يبغونه إنّما يحكم به أفعى نجران ، أو نظيره من حكّام الجاهليّة ، فأرادوا بسفههم أن يكون محمّد خاتم النّبيّين
هامش
( 1 ) كذا ، والظاهر : وهم .
( 2 ) الظّاهر : التّمييز .