تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
حكم الرّجم الّذي يطبّق بحقّ مرتكبي الزّنا من الرّجال والنّساء ، إذا كان الزّنا مع المحصنات ، والّذي ورد في التّوراة أيضا في سفر التّثنية . والعجيب في أمر هؤلاء اليهود أنّهم مع وجود التّوراة بينهم ، وعدم اعترافهم بنسخها من قبل القرآن ، ورفضهم للشّريعة الإسلاميّة ، كانوا حين يرون حكما في التّوراة لا يوافق ميولهم وأهوائهم يتركون ذلك الحكم ، ويبحثون عن حكم آخر في مصادر لم يقرّوا ولم يعترفوا بها . والأعجب من ذلك أنّهم حين كانوا يطلبون التّحكيم من نبيّ الإسلام بينهم ، كانوا لا يقبلون بحكمه إذا كان مطابقا لحكم التّوراة ، لكنّه لم يوافق ميولهم ورغباتهم حيث تقول الآية :
ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ،
وما ذلك إلّا لأنّ هؤلاء لم يكونوا بمؤمنين في الحقيقة ، ولو كانوا مؤمنين لما استهزؤوا هكذا بأحكام اللّه ، حيث تؤكّد الآية قائلة :
وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ .
وقد يرد اعتراض في هذا المجال وهو : كيف يقرّ المسلمون بوجود حكم اللّه في التّوراة ، مع علمهم عن طريق القرآن والرّوايات الإسلاميّة بأنّ التّوراة قد أصابها التّحريف قبل ظهور نبيّ الإسلام محمّد صلّى اللّه عليه وآله ؟ إنّ جوابنا على هذا الاعتراض هو أنّنا أوّلا : لا نقول بالتّحريف قد أصاب التّوراة كلّها ، بل نقرّ بوجود أحكام في التّوراة تطابق الحقيقة والواقع ، وحكم الرّجم - الّذي هو موضوع بحثنا الآن - من الأحكام الّتي لم تصبها يد التّحريف في التّوراة . ثانيا : إنّ التّوراة مهما كان حالها ، لا يعتبرها اليهود كتابا محرّفا ، ولذلك فإنّ الغرابة هنا تكمن في رفض اليهود العمل بحكم اللّه مع وجوده في توراتهم . ( 4 : 15 ) فضل اللّه : يستنكر القرآن لجوء هؤلاء إلى تحكيم الرّسول صلّى اللّه عليه وآله الّذي لا يؤمنون به ، وهم يعرفون أنّه الحكم الّذي جاءت به التّوراة ، وهو حكم اللّه الّذي لا يتغيّر ولا يتبدّل مهما تغيّرت الرّسالات واختلف الرّسل ، لأنّه الحكم الّذي ينطلق من مصلحة الإنسان الحقيقيّة الّتي لا يدخل في حسابها اختلاف الزّمان والمكان ، ثمّ يتولّون بعد ذلك عن حكم اللّه ويعرضون عنه ، وهذه نقطة سلبيّة يسجّلها القرآن عليهم ، ليقدّم للمسلمين الصّورة القلقة الّتي تمثّل واقع هؤلاء الّذين آثروا الدّنيا باسم التّوراة ، ليحصلوا على المواقع المتقدّمة في حياة النّاس باسمها ، ولكنّهم كانوا أوّل من يتنكّر لحكم التّوراة عندما اختلفت مصالحهم وأطماعهم معه . ( 8 : 178 ) 2 -
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ .
المائدة : 50 ابن عبّاس : أفحكمهم في الجاهليّة يطلبون عندك في القرآن يا محمّد ،
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً
قضاء . ( 95 ) الطّبريّ : يقول تعالى ذكره : أيبغي هؤلاء اليهود - الّذين احتكموا إليك فلم يرضوا بحكمك ، وقد حكمت