تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
جعلتها مبتدأ فمن ضميرها المستكنّ فيه . ( 1 : 276 ) نحوه أبو السّعود ( 2 : 274 ) ، والبروسويّ ( 2 : 395 ) ، وشبّر ( 2 : 177 ) ، والآلوسيّ ( 6 : 141 ) . المراغيّ : أي وكيف يحكّمونك في قضيّة كقضيّة الزّانيين ، وعندهم التّوراة وهي شريعتهم ، فيها حكم اللّه فيما يحكّمونك فيه ، ثمّ يتولّون عن حكمك بعد أن رضوا به ، وآثروه على شريعتهم لموافقته إيّاها . وخلاصة ذلك أنّ أمرهم لمن أعجب العجب ، وما سبب ذلك إلّا أنّهم ليسوا مؤمنين بالتّوراة إيمانا صحيحا ، ولا هم مؤمنين بك ؛ إذ المؤمن بشرع لا يرغب عنه إلى غيره ، إلّا إذا آمن بأنّ ما رغب إليه شرع من اللّه أيضا ، أيّد به الأوّل أو نسخه لحكمة اقتضت ذلك . ولكن هؤلاء تركوا حكم التّوراة الّتي يدّعون الإيمان بها ، لأنّه لم يوافق أهواءهم ، وجاءوك يطلبون حكمك رجاء أن يوافق أهواءهم ، ثمّ يتولّون ويعرضون عنه ؛ إذ لم يأت وفق مرادهم . ( 6 : 121 ) ابن عاشور : أي من العجيب أنّهم يتركون كتابهم ويحكّمونك ، وهم غير مؤمنين بك ، ثمّ يتولّون بعد حكمك إذا لم يرضهم . فالإشارة بقوله :
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
إلى الحكم المستفاد من
يُحَكِّمُونَكَ ،
أي جمعوا عدم الرّضى بشرعهم وبحكمك . وهذه غاية التّعنّت المستوجبة للعجب في كلتا الحالتين ، كما وصف اللّه حال المنافقين في قوله :
وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ
النّور : 48 ، 49 . ويحتمل أنّ الاستفهام إنكاريّ ، أي هم لا يحكّمونك حقّا . ومحلّ الإنكار هو أصل ما يدلّ عليه الفعل من كون فاعله جادّا ، أي لا يكون تحكيمهم صادقا ، بل هو تحكيم صوريّ يبتغون به ما يوافق أهواءهم ، لأنّ لديهم التّوراة فيها حكم ما حكّموك فيه ، وهو حكم اللّه ، وقد نبذوها لعدم موافقتها أهواءهم ، ولذلك قدّروا نبذ حكومتك إن لم توافق هواهم ، فما هم بمحكّمين حقيقة . فيكون فعل
يُحَكِّمُونَكَ
مستعملا في التّظاهر بمعنى الفعل دون وقوعه ، كقوله تعالى :
يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا
التّوبة : 64 . ويجوز على هذا أن تكون الإشارة بقوله :
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
إلى مجموع ما ذكر ، وهو التّحكيم ، وكون التّوراة عندهم ، أي يتولّون عن حكمك في حال ظهور الحجّة الواضحة ، وهي موافقة حكومتك لحكم التّوراة . ( 5 : 112 ) مكارم الشّيرازيّ : تتابع هذه الآية موضوع الحكم بين اليهود الّذين تطرّقت إليه الآيتان السّابقتان ، اللّتان بيّنتا أنّ اليهود كانوا يأتون إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، ويطلبون منه الحكم فيهم . وقد أظهرت هذه الآية الأخيرة الاستغراب من حالة اليهود الّذين كانوا مع وجود التّوراة بينهم ، واحتوائها على حكم اللّه ، يأتون إلى النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وآله ويطلبون منه الحكم فيهم ، فتقول :
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ . . . .
ويجب الانتباه إلى أنّ الحكم المقصود في الآية هو