تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
تحصل بمجرّد كسب العبد دون تعليم الأنبياء إيّاه طريق تحصيلها ، بل بإيتاء اللّه تعالى ، كما علّمنا النّبيّ عليه السّلام طريق تحصيلها بقوله : « من أخلص للّه أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » ، وكما أنّ القلب مهبط الوحي من إيحاء الحقّ تعالى ، كذلك مهبط الحكمة بإيتاء الحقّ تعالى ، كما قال تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ ،
وقال :
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
البقرة : 269 . فثبت أنّ الحكمة من المواهب لا من المكاسب ، لأنّها من الأقوال لا من المقامات . والمعقولات الّتي سمّتها الحكماء حكمة ، ليست بحكمة فإنّها من نتائج الفكر السّليم من شوب آفة الوهم والخيال ، وذلك يكون للمؤمن والكافر ، وقلّما يسلم من الشّوائب ، ولهذا وقع الاختلاف في أدلّتهم وعقائدهم . ومن يحفظ الحكمة الّتي أوتيت لبعض الحكماء الحقيقيّة ، لم تكن هي حكمة بالنّسبة إليه ، لأنّه لم يؤت الحكمة ، ولم يكن هو حكيما ، انتهى . قال في « عرائس البيان » : الحكمة ثلاث : حكمة القرآن وهي حقائقه ، وحكمة الإيمان وهي المعرفة ، وحكمة البرهان وهي إدراك لطائف صنع الحقّ في الأفعال . وأصل الحكمة إدراك خطاب الحقّ بوصف الإلهام . قال شاه شجاع : ثلاث من علامات الحكمة : إنزال النّفس من النّاس منزلتها ، وإنزال النّاس من النّفس منزلتهم ، ووعظهم على قدر عقولهم ، فيقوم بنفع حاضر . وقال الحسين بن منصور : الحكمة سهام ، وقلوب المؤمنين أهدافها ، والرّامي اللّه ، والخطأ معدوم . وقيل : الحكمة هو النّور الفارق بين الإلهام والوسواس ، ويتولّد هذا النّور في القلب من الفكر والعبرة ، وهما ميراث الحزن والجوع . قال حكيم : قوت الأجساد ، المشارب والمطاعم ، وقوت العقل ، الحكمة والعلم . وأفضل ما أوتى العبد في الدّنيا الحكمة ، وفي الآخرة الرّحمة ، والحكمة للأخلاق كالطّبّ للأجساد . وعن عليّ رضى اللّه عنه : روّحوا هذه القلوب ، واطلبوا لها طرائف الحكمة ، فإنّها تملّ كما تملّ الأبدان . وفي الحديث : « ما زهد عبد في الدّنيا إلّا أنبت اللّه الحكمة في قلبه ، وانطق بها لسانه ، وبصّره عيوب الدّنيا وعيوب نفسه . وإذا رأيتم أخاكم قد زهد فاقربوا إليه فاستمعوا منه ، فإنّه يلقي الحكمة » . والزّهد في اللّغة ترك الميل إلى الشّيء ، وفي اصطلاح أهل الحقيقة هو بغض الدّنيا والإعراض عنها ، وشرط الزّاهد أن لا يحنّ إلى ما زهد فيه ، وأدبه أن لا يذمّ المزهود فيه ، لكونه من جملة أفعال اللّه تعالى ، وليشغل نفسه بمن زهد من أجله . قال عيسى عليه السّلام : أين تنبت الحبّة ؟ قالوا : في الأرض ، فقال : كذلك الحكمة لا تنبت إلّا في قلب مثل الأرض ، وهو موضع نبع الماء . والتّواضع سرّ من أسرار اللّه المخزونة عنده ، لا يهبه على الكمال إلّا لنبيّ أو صدّيق ، فليس كلّ تواضع