تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
كلامه جمليّا ، ولا يتعرّض لمصالح العاجلة ، بل يتعرّض لما ينفع في العاقبة . ولمّا كانت الكلمات الكلّيّة أطهر عند النّاس من أحوال الحكيم من معرفته باللّه ، ربّما أطلق النّاس اسم الحكمة على مثل تلك الكلمات الكلّيّة . ويقال للنّاطق بها حكيم ، وذلك مثل قول سيّد الأنبياء عليه السّلام : « رأس الحكمة مخافة اللّه ، ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى ، كن ورعا ، تكن أعبد النّاس ، وكن تقيّا ، تكن أشكر النّاس ، البلاء موكّل بالمنطق ، السّعيد من وعظ بغيره ، القناعة مال لا ينفد ، اليقين الإيمان كلّه » . فهذه الكلمات وأمثالها تسمّى حكمة وصاحبها يسمّى حكيما . ( البروسويّ 7 : 73 ) الزّمخشريّ : قد نبّه اللّه سبحانه على أنّ الحكمة الأصليّة والعلم الحقيقيّ هو العمل بهما . ( 3 : 231 ) ابن الجوزيّ : فيها قولان : أحدهما : الفهم والعقل ، قاله الأكثرون . والثّاني : النّبوّة . ( 6 : 317 ) الفخر الرّازيّ : قوله
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ
عبارة عن توفيق العمل بالعلم ، فكلّ من أوتي توفيق العمل بالعلم فقد أوتي الحكمة ، وإن أردنا تحديدها بما يدخل فيه حكمة اللّه تعالى ، فنقول : حصول العمل على وفق المعلوم . والّذي يدلّ على ما ذكرنا أنّ من تعلّم شيئا ولا يعلم مصالحه ومفاسده لا يسمّى حكيما ، وإنّما يكون مبخوتا ، ألا ترى أنّ من يلقي نفسه من مكان عال ، ووقع على موضع فانخسف به ، وظهر له كنز وسلم ، لا يقال إنّه حكيم ، وإن ظهر لفعله مصلحة وخلوّ عن مفسدة ، لعدم علمه به أوّلا ، ومن يعلم أنّ الإلقاء فيه إهلاك النّفس ، ويلقي نفسه من ذلك المكان وتنكسر أعضاؤه ، لا يقال : إنّه حكيم ، وإن علم ما يكون في فعله . ثمّ الّذي يدلّ على ما ذكرنا قوله تعالى :
أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ
فإنّ ( ان ) مثل هذا تسمّى المفسّرة ، ففسّر اللّه إيتاء الحكمة بقوله :
أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ
وهو كذلك ، لأنّ من جملة ما يقال : إنّ العمل موافق للعلم ، لأنّ الإنسان إذا علم أمرين : أحدهما أهمّ من الآخر ، فإن اشتغل بالأهمّ ، كان عمله موافقا لعلمه وكان حكمة ، وإن أهمل الأهمّ كان مخالفا للعلم ، ولم يكن من الحكمة في شيء لكن شكر اللّه أهمّ الأشياء ، فالحكمة أوّل ما تقتضي . ( 25 : 145 ) البيضاويّ : الحكمة في عرف العلماء : استكمال النّفس الإنسانيّة باقتباس العلوم النّظريّة ، واكتساب الملكة التّامّة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها . ( 2 : 228 ) مثله أبو السّعود . ( 5 : 188 ) أبو حيّان : والحكمة : المنطق الّذي يتّعظ به ويتنبّه به ، ويتناقله النّاس لذلك . [ ثمّ أدام نحو الزّمخشريّ ] ( 7 : 186 ) ابن كثير : أي الفهم والعلم والتّعبير . ( 5 : 382 ) البروسويّ : وفي « التّأويلات النّجميّة » . الحكمة عدل الوحي ، قال عليه السّلام « أوتيت القرآن وما يعدله » وهو الحكمة بدليل قوله تعالى :
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
البقرة : 129 ، فالحكمة موهبة للأولياء ، كما أنّ الوحي موهبة للأنبياء ، وكما أنّ النّبوّة ليست كسبيّة ، بل هي فضل اللّه يؤتيه من يشاء ، فكذلك الحكمة ليست كسبيّة