تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
القرآنيّة في مقام الدّعوة ، وثالثة : إقامة الأدلّة والبراهين على الحقّ . . . ولكن يبدو لنا أنّها لا تنسجم مع طبيعة غرض الآية وهدفها الأخير ، فهي ليست في مجال التّحدّث عمّا يلزم على النّبيّ أن يدعو له ، فيأمر به أو ينهى عنه ، لأنّ ذلك أمر واضح معلوم للنّبيّ باعتباره نبيّا مرسلا من قبل اللّه سبحانه ، برسالة تتضمّن أوامر اللّه ونواهيه وتعاليمه المتعلّقة بأمر معاش النّاس ومعادهم ، كما أنّ من المعلوم لديه أنّ القرآن يدخل ضمن نطاق الدّعوة ، باعتباره المعجزة البيانيّة الخالدة للرّسالة الإلهيّة العظيمة . ولعلّنا نلمح في كلمة :
إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ
ما يرشدنا إلى ذلك ، فإنّ سبيل اللّه الّذي تجب الدّعوة إليه هو الإسلام بكلّ تعاليمه ومبادئه ، والقرآن بما فيه من أحكام وتعاليم . أمّا التّفسير بالحجج والأدلّة والبراهين ، فهو غير وارد أيضا ، لأنّه ليس أمرا جديدا على الدّعوة وعلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، لأنّ أساليب القرآن ترتكز على ذلك ، كما أنّ طبيعة الدّعوة تعتمد عليه ، لأنّها انطلقت مع أدلّتها وبراهينها منذ اللّحظة الأولى . فما الّذي يراد بها أوّلا ؟ يبدو لنا - من خلال ما قدّمناه - حول مفهوم الكلمة ، أنّها تعبير عن طبيعة أسلوب الدّعوة وضرورة اتّصافه بالحكمة ، وسلوكه طريقها . فكأنّ الآية محاولة للإرشاد إلى طريقة الدّعوة العمليّة في هداية النّاس وإرشادهم ، وكسب أكبر عدد ممكن منهم إلى صفّ الدّين والعقيدة ، وللإشارة إلى أنّ الحقيقة المجرّدة العارية ، والواقع البسيط المجرّد ، لا يمكن إلقاؤهما إلى النّاس دون مقدّمات ، ودون ملاحظة للظّروف ودراسة لجوّ العمل ومجالاته . وعلى ضوء هذا ، فإنّ المراد بالحكمة - كما نفهمه منها - هو السّير على الطّريقة الواقعيّة للعمل ، ونعني بها تلك الّتي تلاحظ الواقع الخارجيّ للمجتمع الّذي تعيش فيه ، وتدرس ظروفه العقليّة والفكريّة والنّفسيّة والاجتماعيّة ، وتضع كلّ ذلك في حسابها قبل بداية العمل . وإذا ربطناها بالدّعوة ، فسنجد أنّها محاولة لتنبيه الدّعاة إلى اللّه ، إلى أن لا يكون الأسلوب المتّبع لديهم في العمل واحدا من حيث النّوع ، بل لا بدّ من أن يختلف حسب اختلاف الواقع الّذي تعيشه الدّعوة ، أو يعيش فيه الدّين ، فإنّه من الواضح أنّ الدّعوة لن تكون فعّالة ، إذا حاولت أن تساوي بين الجاهل والمثقّف في الفكرة الّتي تلقى ، والأسلوب الّذي يتّبع ، فإنّ الأدوات التّعبيريّة والمخزون الفكريّ الّذي يملكه كلّ منهما ، يختلف عمّا يملكه الآخر ، وأيضا فقد تقتضي بعض المواقف الجوّ الحماسيّ والاندفاعيّ الصّرف ، بينما يقتضي بعضها الآخر الجوّ الهادئ المتّزن الّذي يتيح للفكر أن ينطلق ، وللرّوح أن تطمئنّ ، وللإنسان أن يفكّر بهدوء . وقد يدفعنا الجوّ - في بعض الحالات - إلى عرض الفكرة بكامل تفاصيلها ، بينما يدفعنا - في حالات أخرى - إلى الاكتفاء بعرض الخطوط الرّئيسيّة فقط ، تاركين للمستقبل وضع النّقاط على الحروف . ذلك ما نفهمه من الحكمة هنا ، والّذي قد يلتقي مع كلمة « المرونة » في كثير
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 385 | مجمع البحوث الاسلامية