إلى دعوة العقل ، والاتّهام لداعي الهوى ووساوس الشّيطان . . . وهذا من موارد الحكمة ، ومن ثمرات الحكماء
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ؛
إذ يكون أمره إلى عقل يهديه ، وبصر يقيمه على سواء السّبيل ، فلا يفعل إلّا خيرا ، ولا يجني إلّا خيرا
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ .
والحكمة : هي البصيرة النّافذة ، الّتي تقدر الأمور قدرها ، وتضع كلّ شيء موضعه . ( 2 : 344 )
مكارم الشّيرازيّ : للحكمة معان كثيرة : منها :
معرفة أسرار عالم الوجود ، ومعرفة حقائق القرآن ، والوصول إلى اللّه بالقول والعمل ، وأخيرا معرفة اللّه ، بهذه كلّها تنطوي تحت المعنى الواسع للحكمة .
وعليه فإنّ علاقة هذه الآية بالآيات السّابقة هي أنّ اللّه يهب لبعض النّاس - لطهارتهم ومجاهدتهم - علما وبصيرة يستطيع بهما أن يدرك فوائد الإنفاق وآثاره ودوره الحياتيّ في المجتمع ، وأن يميّز بين الإلهامات الإلهيّة والوساوس الشّيطانيّة .
وبعبارة أخرى : نلاحظ أنّ الكلام في الآية السّابقة كان على وعد اللّه بالمغفرة والبركة بإزاء الإنفاق ، وعلى وسوسة الشّيطان وتخويفه من الفقر . وفي هذه الآية إشارة إلى حقيقة كون الحكمة هي وحدها الّتي تستطيع أن تميّز بين الجاذبتين الإلهيّة والشّيطانيّة ، فتنجي المرء من وسوسة الشّيطان .
بديهيّ أنّ القصد من
مَنْ يَشاءُ
ليس إسباغ الحكمة على كلّ من هبّ ودبّ بغير حساب ، بل أنّ مشيئة اللّه هي دائما منبعثة عن حكمة ، أي أنّه يمنحها لمن يستحقّها ، ويرويه من سلسبيل هذه العين الزّلال .
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً .
رغم أنّ واهب الحكمة هو اللّه فإنّ اسمه لم يرد في هذه الآية ، وإنّما بني الفعل للمجهول
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ .
ولعلّ المقصود هو أنّ الحكمة أمر حسن بذاته بصرف النّظر عن مصدرها ومنشئها .
من الملاحظ أنّ الآية تقول : إذا نزلت الحكمة بساحة أحد فقد نزلت بساحته البركة والخير الكثير لا الخير المطلق ، لأنّ السّعادة والخير المطلق ليسا في العلم وحده بل العلم أهمّ عامل لهما . ( 2 : 224 )
فضل اللّه :
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
فهو الّذي يعطي عباده النّعم الباطنة في الوجدان الدّاخليّ للإنسان ، فيلهمه الصّواب في الفكرة ، والسّداد في الرّأي ، والمنهجيّة في طريقة التّفكير ، وفي النّظرة إلى الأمور ، وهذا ما تمثّله الحكمة في مضمونها الفكريّ على مستوى المنهج والوسيلة والفكرة ، فيدرس القضايا من خلال سلبيّاتها وإيجابيّاتها ومقدّماتها ونتائجها والظّروف الموضوعيّة المحيطة بها على مستوى الدّنيا والآخرة .
ثمّ يثير أمام الإنسان طريق الحكمة في الحياة في ما تمثّله هذه الكلمة من تنظيم أعمال الإنسان وتخطيط أوضاعه على حسب الموازين الدّقيقة للأشياء ، بحيث يضع كلّ شيء في موضعه ، فلا يمنع شيئا ينبغي له أن