« ما أنعم اللّه على عبد بنعمة أعظم وأرفع وأجزل وأبهى من الحكمة ، قال تعالى :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ،
أي لا يعلم أحد ما أودع اللّه في الحكمة من الأسرار إلّا من استخلصه لنفسه ، فالحكمة هي النّجاة ، وصفة الثّبات عند أوائل الأمور ، والوقوف عند عواقبها » .
وتجمل الإشارة هنا إلى الفرق بين العلم والحكمة .
فالعلم يقيس الكمّيّات ، وبتعرّف على العلاقات الّتي تربط هذه الكمّيّات بعضها ببعض ، ويكتشف القوانين الّتي تجمعها في شمل واحد ، والأثر الّذي يترتّب عليها من خير أو شرّ .
أمّا الحكمة فإنّها تأمر باتّباع العقل السّليم ، والدّين القويم ، واستعمال الشّيء فيما وضع له ، وخلق من أجله ، مثلا : العلم يفتّت الذّرّة ، ويوجد السّفن الفضائيّة ، ولكنّه لا ينظر إلى الهدف الّذي يرمي إليه العالم خيرا كان أو شرّا ، ولا ينهاه عن هذا ويأمره بذاك ، أمّا الحكمة فلا يعنيها من تفتيت الذّرّة ، واختراع السّفن كثير ولا قليل ، وإنّما تنظر إلى ما تستعمل فيه الذّرّة وسفن الفضاء ، وتوجّه الإنسان إلى أن يبتغي بهما خير الإنسانيّة وهناءها ، لا شرّها وشقاءها . ( 1 : 421 )
الطّباطبائيّ :
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
الإيتاء هو الإعطاء ، والحكمة - بكسر الحاء - على « فعلة » بناء نوع يدلّ على نوع المعنى ، فمعناه النّوع من الإحكام والإتقان ، أو نوع من الأمر المحكم المتقن الّذي لا يوجد فيه ثلمة ولا فتور ، وغلب استعماله في المعلومات العقليّة الحقّة الصّادقة الّتي لا تقبل البطلان والكذب ألبتّة .
والجملة تدلّ على أنّ البيان الّذي بيّن اللّه به حال الإنفاق بجمع علله وأسبابه ، وما يستتبعه من الأثر الصّالح في حقيقة حياة الإنسان هو من الحكمة ، فالحكمة هي القضايا الحقّة المطابقة للواقع من حيث اشتمالها بنحو على سعادة الإنسان كالمعارف الحقّة الإلهيّة في المبدأ والمعاد ، والمعارف الّتي تشرح حقائق العالم الطّبيعيّ من جهة مساسها بسعادة الإنسان كالحقائق الفطريّة الّتي هي أساس التّشريعات الدّينيّة .
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ،
المعنى ظاهر ، وقد أبهم فاعل الإيتاء مع أنّ الجملة السّابقة عليه تدلّ على أنّه اللّه تبارك وتعالى ، ليدلّ الكلام على أنّ الحكمة بنفسها منشأ الخير الكثير ، فالتّلبّس بها يتضمّن الخير الكثير ، لا من جهة انتساب إتيانه إليه تعالى ، فإنّ مجرّد انتساب الإتيان لا يوجب ذلك كإيتاء المال . قال تعالى في قارون :
وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ
إلى آخر الآيات ، القصص : 76 ، وإنّما نسب إليها الخير الكثير دون الخير مطلقا ، مع ما عليه الحكمة من ارتفاع الشّأن ونفاسة الأمر ، لأنّ الأمر مختوم بعناية اللّه وتوفيقه ، وأمر السّعادة مراعى بالعاقبة والخاتمة . ( 2 : 395 )
عبد الكريم الخطيب :
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
الزّمر : 18 . فهؤلاء هم الّذين رزقهم اللّه بعض ما يرزق عباده من السّداد والتّوفيق ، والاستماع