الأدب : أنّ عمران بن حصين قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
الحياء لا يأتي إلّا بخير ، فقال بشير بن كعب العدويّ : مكتوب في الحكمة إنّ من الحياء وقارا ، وإنّ من الحياء سكينة ، فقال له عمران : أحدّثك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتحدّثني عن صحيفتك ؟ » .
والحكيم هو النّابغ في هاته العلوم أو بعضها ، فبحكمته يعتصم من الوقوع في الغلط والضّلال بمقدار مبلغ حكمته ، وفي الغرض الّذي تتعلّق به حكمته .
وعلوم الحكمة هي مجموع ما أرشد إليه هدي الهداة من أهل الوحي الإلهيّ الّذي هو أصل إصلاح عقول البشر ، فكان مبدأ ظهور الحكمة في الأديان ، ثمّ ألحق بها ما أنتجه ذكاء العقول من أنظارهم المتفرّعة على أصول الهدى الأوّل .
وقد مهّد قدماء الحكماء طرائق من الحكمة فنبعت ينابيع الحكمة في عصور متقاربة كانت فيها مخلوطة بالأوهام والتّخيّلات والضّلالات ، بين الكلدانيّين والمصريّين والهنود والصّين ، ثمّ درسها حكماء اليونان فهذّبوا وأبدعوا ، وميّزوا علم الحكمة عن غيره ، وتوخّوا الحقّ ما استطاعوا ، فأزالوا أوهاما عظيمة وأبقوا كثيرا .
وانحصرت هذه العلوم في طريقتي سقراط وهي نفسيّة ، وفيثاغورس وهي رياضيّة عقليّة . والأولى يونانيّة والثّانية لإيطاليا اليونانيّة . وعنهما أخذ أفلاطون ، واشتهر أصحابه بالإشراقيّين ، ثمّ أخذ عنه أفضل تلامذته وهو أرسططاليس ، وهذّب طريقته ووسّع العلوم ، وسمّيت أتباعه بالمشّائين ، ولم تزل الحكمة من وقت ظهوره معوّلة على أصوله إلى يومنا هذا .
( 2 : 531 )
مغنيّة : تطلق الحكمة على معان : منها المصلحة ، كقولك : الحكمة من هذا الشّيء كذا . ومنها الموعظة ، مثل : الحكمة ضالّة المؤمن . ومنها العلم والفهم ، ومنه قوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ
لقمان : 12 ، ومنها النّبوّة ، كقوله :
وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ
ص : 20 ، وتطلق الحكمة على الفلسفة . وقال قائل :
الحكمة هي علم الفقه . وقال آخر : هي جميع العلوم الدّينيّة . وقال ثالث : هي طاعة اللّه فقط .
ومهما قيل أو يقال ، فإنّ الحكمة لا تخرج أبدا عن معنى السّداد والصّواب ، ووضع الشّيء في موضعه قولا وعملا ، فالحكيم هو الّذي يحكم الشّيء ، ويأتي به على مقتضى العقل والواقع ، لا حسب الميول والرّغبات ، ولا يستعجله قبل أوانه ، أو يمسك عنه في زمانه ، أو ينحرف به عن حدوده وقيوده .
وعلى هذا فالحكمة لا تختصّ بالأنبياء والأولياء ، ولا بالفلاسفة والعلماء ، فكلّ من أتقن عملا وأحكمه فهو حكيم فيه ، سواء أكان فلّاحا ، أو صانعا ، أو تاجرا ، أو موظّفا ، أو واعظا ، أو أديبا ، أو خطيبا ، أو حاكما ، أو جنديّا ، أو غيره . . . فالشّرط الأوّل والأخير للحكمة والحكيم أن يحقّق العمل الغرض المطلوب منه عقلا وشرعا ، دنيا ودينا .
وليس من شكّ أنّ من كانت الحكمة رائده ومرشده ، كان سعيدا في الدّارين ، قال الإمام جعفر الصّادق عليه السّلام :