وقال آخرون : معنى ذلك : أنّهما القاضيان ، يقضيان بينهما ما فوّض إليهما الزّوجان .
وأيّ الأمرين كان ، فليس لهما ، ولا لواحد منهما ، الحكم بينهما بالفرقة ، ولا بأخذ مال إلّا برضى المحكوم عليه بذلك ، وإلّا ما لزم من حقّ لأحد الزّوجين على الآخر في حكم اللّه ، وذلك ما لزم الرّجل لزوجته من النّفقة والإمساك بمعروف ، إن كان هو الظّالم لها .
فأمّا غير ذلك ، فليس ذلك لهما ، ولا لأحد من النّاس غيرهما ، لا السّلطان ولا غيره . وذلك أنّ الزّوج إن كان هو الظّالم للمرأة ، فللإمام السّبيل إلى أخذه بما يجب لها عليه من حقّ . وإن كانت المرأة هي الظّالمة زوجها النّاشزة عليه ، فقد أباح اللّه له أخذ الفدية منها ، وجعل إليه طلاقها ، على ما قد بيّنّاه في سورة « البقرة » .
وإذ كان الأمر كذلك ، لم يكن لأحد الفرقة بين رجل وامرأة بغير رضى الزّوج ، ولا أخذ مال من المرأة بغير رضاها بإعطائه ، إلّا بحجّة يجب التّسليم لها من أصل أو قياس .
وإن بعث الحكمين السّلطان ، فلا يجوز لهما أن يحكما بين الزّوجين بفرقة إلّا بتوكيل الزّوج إيّاهما بذلك ، ولا لهما أن يحكما بأخذ مال من المرأة إلّا برضى المرأة . يدلّ على ذلك ما قد بيّنّاه قبل من فعل عليّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه بذلك ، والقائلين بقوله . ولكن لهما أن يصلحا بين الزّوجين ، ويتعرّفا الظّالم منهما من المظلوم ، ليشهدا عليه إن احتاج المظلوم منهما إلى شهادتهما .
وإنّما قلنا : « ليس لهما التّفريق » ، للعلّة الّتي ذكرناها آنفا ، وإنّما يبعث السّلطان الحكمين إذا بعثهما ، إذا ارتفع إليه الزّوجان ، فشكا كلّ واحد منهما صاحبه ، وأشكل عليه المحقّ منهما من المبطل ، لأنّه إذا لم يشكل المحقّ من المبطل ، فلا وجه لبعثه الحكمين في أمر قد عرف الحكم فيه . ( 5 : 70 )
الشّريف الرّضيّ : ربّما سأل سائل في هذه السّورة عن قوله تعالى :
فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها . . .
فقال : لم لم يقل : ( حاكما ) بدل قوله :
( حكما ) ؟
والجواب : أنّه سبحانه إنّما سمّى المبعوثين من أهل الرّجل والمرأة حكمين ، لنقصان تصرّفهما ، ولو ملكا التّصرّف من جميع الوجوه لسمّاهما حاكمين ، ألا ترى أنّ من مذهب أهل العراق أنّه ليس للحكمين التّفريق إلّا بوكالة ، وهو أحدة قولي الشّافعيّ ، وهذا يدلّ على نقصان تصرّفهما فلذلك سمّيا حكمين ، والعرب تسمّي الرّجل حكما إذا تنافر إليه الرّجلان ففضّل أحدهما على صاحبه ، وإنّما سمّي حكما ، لأنّه ليس يتجاوز أن يعلمهما أنّ أحدهما أفضل من الآخر ، وليس هناك إلزام أمر ولا إمضاء حكم كما يفعل الحكّام ، فلذلك لم يسمّ حاكما ، وهذا واضح بحمد اللّه . ( حقائق التّأويل : 444 )
الزّجّاج : [ ذكر فعل عليّ عليه السّلام في هذه المسألة كما تقدّم عن عبيدة وقال : ]
قال بعضهم على الحكمين أن يعظا ويعرّفا ما على كلّ واحد من الزّوج والمرأة في مجاوزة الحقّ ، فإن رأيا أن يفرّقا فرّقا ، وأن رأيا أن يجمعا جمعا .