وحقيقة أمر الحكمين أنّهما يقصدان للإصلاح وليس لهما طلاق ، وإنّما عليهما أن يعرّفا الإمام حقيقة ما وقفا عليه ، فإن رأى الإمام أن يفرّق فرّق ، أو أن يجمع جمع .
وإن وكّلهما بتفريق أو بجمع فهما بمنزلة ، وما فعل عليّ رضي الله عنه فهو فعل للإمام أن يفعله ، وحسبنا بعليّ عليه السّلام إماما ، فلمّا قال لهما : إن رأيتما أن تجمعا جمعتما ، وإن رأيتما أن تفرّقا فرّقتما ، كان قد ولّاهما ذلك ووكّلهما فيه .
( 2 : 49 )
الطّوسيّ : والمأمور ببعث الحكمين قيل فيه قولان : أحدهما : قال سعيد بن جبير ، والضّحّاك وأكثر الفقهاء وهو الظّاهر في أخبارنا : أنّه السّلطان الّذي يترافعان إليه .
والثّاني : قال السّدّيّ : أنّه الرّجل والمرأة ، وقيل :
أيّهما كان ناب عن الآخر ، وهو اختيار الطّبريّ .
واختلف الفقهاء في الحكمين هل هما وكيلان أو هما حكمان ، فعندنا أنّهما حكمان ، وقال قوم : هما وكيلان .
واختلفوا هل للحكمين أن يفرّقا بالطّلاق إن رأياه أم لا ؟ فعندنا ليس لهما ذلك إلّا بعد أن يستأمراهما ، أو كان إذن لهما في الأصل في ذلك ، وبه قال الحسن ، وقتادة ، وابن زيد عن أبيه . ومن قال : هما وكيلان ، قال : لهما ذلك ، ذهب إليه سعيد بن جبير ، والشّعبيّ ، والسّدّيّ وإبراهيم ، وشريح ، ورووه عن عليّ عليه السّلام . ( 3 : 192 )
الواحديّ : المأمور ببعث الحكمين السّلطان الّذي يترافع الزّوجان فيما شجر بينهما إليه ، والحكم بمعنى الحاكم وهو المانع من الظّلم .
وقوله :
مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها
أي من أقارب هذا وأقارب تلك . ( 2 : 47 )
البغويّ : يعني خلافا بين الزّوجين ، والخوف بمعنى اليقين . وقيل : هو بمعنى الظّنّ ، يعني : إن ظننتم شقاق بينهما . وجملته أنّه إذا ظهر بين الزّوجين شقاق ، واشتبه حالهما ، فلم يفعل الزّوج الصّفح ولا الفرقة ، ولا المرأة تأدية الحقّ ولا الفدية ، وخرجا إلى ما لا يحلّ قولا وفعلا ، بعث الإمام حكما من أهله إليه ، وحكما من أهلها إليها ، رجلين حرّين عدلين ليستطلع كلّ واحد من الحكمين رأي من بعث إليه ، إن كانت رغبته في الصّلح أو في الفرقة ، ثمّ يجتمع الحكمان فينفّذان ما يجتمع عليه رأيهما من الصّلاح ، فلذلك قوله عزّ وجلّ :
فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ . . . ،
يعني الحكمين . . .
واختلف القول في جواز بعث الحكمين من غير رضا الزّوجين . وأصحّ القولين أنّه لا يجوز إلّا برضاهما ، وليس لحكم الزّوج أن يطلّق إلّا بإذنه ، ولا لحكم المرأة أن يخلع على ما لها إلّا بإذنها ، وهو قول أصحاب الرّأي ، لأنّ عليّا رضى اللّه عنه حين قال الرّجل : أمّا الفرقة فلا ، قال : « كذبت حتّى تقرّ بمثل الّذي أقرّت به » فثبت أنّ تنفيذ الأمر موقوف على إقراره ورضاه ، والقول الثّاني :
يجوز بعث الحكمين دون رضاهما ، فيجوز لحكم الزّوج أن يطلّق دون رضاه ، ولحكم المرأة أن يختلع دون رضاها ، إذا رأيا الصّلاح فيه ، كالحاكم يحكم بين الخصمين وإن لم يكن على وفق مرادهما ، وبه قال مالك .
ومن قال بهذا قال : بما في كتاب اللّه . فقال الرّجل : أمّا