تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
وقال آخرون : إن الّذي يبعث الحكمين هو السّلطان ، غير أنّه إنّما يبعثهما ليعرفا الظّالم من المظلوم منهما ، ليحملهما على الواجب لكلّ واحد منهما قبل صاحبه ، لا التّفريق بينهما . وقال آخرون : بل إنّما يبعث الحكمين السّلطان ، على أنّ حكمهما ماض على الزّوجين في الجميع والتّفريق . وأولى الأقوال بالصّواب في قوله :
فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ،
أنّ اللّه خاطب المسلمين بذلك ، وأمرهم ببعثة الحكمين عند خوف الشّقاق بين الزّوجين للنّظر في أمرهما ، ولم يخصّص بالأمر بذلك بعضهم دون بعض . وقد أجمع الجميع على أن بعثة الحكمين في ذلك ليست لغير الزّوجين ، وغير السّلطان الّذي هو سائس أمر المسلمين ، أو من أقامه في ذلك مقام نفسه . واختلفوا في الزّوجين والسّلطان ، ومن المأمور بالبعثة في ذلك : الزّوجان ، أو السّلطان ؟ ولا دلالة في الآية تدلّ على أنّ الأمر بذلك مخصوص به أحد الزّوجين ، ولا أثر به عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والأمّة فيه مختلفة . وإذ كان الأمر على ما وصفنا ، فأولى الأقوال في ذلك بالصّواب : أن يكون مخصوصا من الآية ما أجمع الجميع على أنّه مخصوص منها ؛ وإذ كان ذلك كذلك ، فالواجب أن يكون الزّوجان والسّلطان ممّن قد شمله حكم الآية ، والأمر بقوله :
فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ،
إذ كان مختلفا بينهما : هل هما معنيّان بالأمر بذلك أم لا ؟ - وكان ظاهر الآية قد عمّهما - فالواجب من القول ؛ إذ كان صحيحا ما وصفنا ، أن يقال : إن بعث الزّوجان كلّ واحد منهما حكما من قبله لينظر في أمرهما ، وكان كلّ واحد منهما قد بعثه من قبله في ذلك ، لما له على صاحبه ولصاحبه عليه ، فتوكيله بذلك من وكّل جائز له ، وعليه . وإن وكّله ببعض ولم يوكّله بالجميع ، كان ما فعله الحكم ممّا وكّله به صاحبه ماضيا جائزا على ما وكّله به . وذلك أن يوكّله أحدهما بما له دون ما عليه . وإن لم يوكّل كلّ واحد من الزّوجين بما له وعليه ، أو بما له ، أو بما عليه إلّا الحكمين كليهما ، لم يجز إلّا ما اجتمعا عليه ، دون ما انفرد به أحدهما . وإن لم يوكّلهما واحد منهما بشيء ، وإنّما بعثاهما للنّظر بينهما ، ليعرفا الظّالم من المظلوم منهما ، ليشهدا عليهما عند السّلطان إن احتاجا إلى شهادتهما ، لم يكن لهما أن يحدثا بينهما شيئا غير ذلك من طلاق ، أو أخذ مال ، أو غير ذلك ، ولم يلزم الزّوجين ولا واحدا منهما شيء من ذلك . فإن قال قائل : وما معنى الحكمين ؛ إذ كان الأمر على ما وصفت ؟ قيل : قد اختلف في ذلك . فقال بعضهم : معنى « الحكم » ، النّظر العدل ، كما قال الضّحّاك بن مزاحم في الخبر الّذي ذكرناه ، الّذي : حدّثنا يحيى بن أبي طالب ، عن يزيد ، عن جويبر عنه : لا ، أنتما قاضيان تقضيان بينهما . على السّبيل الّتي بيّنّا من قوله .