الفرقة فلا ، يعني : ليست الفرقة في كتاب اللّه ، فقال عليّ : كذبت حيث أنكرت أن تكون الفرقة في كتاب اللّه ، بل هي في كتاب اللّه ، فإنّ قوله تعالى :
يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما
يشتمل على الفراق وغيره ، لأنّ التّوفيق أن يخرج كلّ واحد منهما من الوزر ، وذلك تارة يكون بالفراق وتارة بإصلاح حالهما في الوصلة . ( 1 : 613 )
الزّمخشريّ : رجلا مقنعا رضيّا يصلح لحكومة العدل والإصلاح بينهما ، وإنّما كان بعث الحكمين من أهلهما ، لأنّ الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصّلاح ، وإنّما تسكن إليهم نفوس الزّوجين ، ويبرز إليهم ما في ضمائرهما من الحبّ والبغض وإرادة الصّحبة والفرقة وموجبات ذلك ومقضيّاته وما يزويانه عن الأجانب ، ولا يحبّان أن يطّلعوا عليه .
فإن قلت : فهل يليان الجمع بينهما والتّفريق إن رأيا ذلك ؟ قلت : قد اختلف فيه ، فقيل : ليس إليهما ذلك إلّا بإذن الزّوجين ، وقيل : ذلك إليهما ، وما جعلا حكمين إلّا وإليهما بناء الأمر على ما يقتضيه اجتهادهما . ( 5251 )
ابن عطيّة : واختلف من المأمور ب « البعثة » ، فقيل : الحاكم ، فإذا أعضل على الحاكم أمر الزّوجين ، وتعاضدت عنده الحجج ، واقترنت الشّبه ، واغتمّ وجه الإنفاذ على أحدهما ، بعث حكمين من الأهل ليباشر الأمر ، وخصّ الأهل لأنّهم مظنّة العلم بباطن الأمر ، ومظنّة الإشفاق بسبب القرابة ، وقيل : المخاطب الزّوجان وإليهما تقديم الحكمين ، وهذا في مذهب مالك ، والأوّل لربيعة وغيره .
واختلف النّاس في المقدار الّذي ينظر فيه الحكمان ، فقال الطّبريّ : قالت فرقة : لا ينظر الحكمان إلّا فيما وكّلهما به الزّوجان ، وصرّحا بتقديمهما عليه . ترجم بهذا ثمّ أدخل عن عليّ غيره . وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره : ينظر الحكمان في الإصلاح ، وفي الأخذ والإعطاء إلّا في الفرقة فإنّها ليست إليهما . وقالت فرقة :
ينظر الحكمان في كلّ شيء ، ويحملان على الظّالم ، ويمضيان ما رأيا من بقاء أو فراق ، وهذا هو مذهب مالك والجمهور من العلماء ، وهو قول عليّ بن أبي طالب في « المدوّنة » وغيرها . وتأوّل الزّجّاج عليه غير ذلك ، وأنّه وكّل الحكمين على الفرقة ، وأنّها للإمام ، وذلك وهم من أبي إسحاق . ( 2 : 49 )
ابن العربيّ : [ نقل قول الشّافعيّ ثمّ قال : ]
والّذي يقتضي الرّدّ عليه بالإنصاف والتّحقيق أن نقول : أمّا قوله : الّذي يشبه ظاهر الآية أنّه فيما عمّ الزّوجين ، فليس بصحيح ، بل هو نصّه ، وهي من أبين آيات القرآن وأوضحها جلاء ، فإنّ اللّه تعالى قال :
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ
ومن خاف من امرأته نشوزا وعظها ؛ فإن أنابت ، وإلّا هجرها في المضجع ، فإن ارعوت ، وإلّا ضربها ، فإن استمرّت في غلوائها مشى الحكمان إليهما ، وهذا إن لم يكن نصّا ، وإلّا فليس في القرآن بيان .
ودعه لا يكون نصّا يكون ظاهرا ، فأمّا أن يقول الشّافعيّ يشبه الظّاهر فلا ندري ما الّذي يشبه الظّاهر ؟
وكيف يقول اللّه :
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا