تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
مخالفا لكلام غيره ، فإنّه قلّما يتعرّض للجزئيّات بل يكون كلامه جمليّا ، ولا يتعرّض لمصالح العاجلة بل يتعرّض لما ينفع في العاقبة . ولمّا كانت الكلمات الكلّيّة أظهر عند النّاس من أحوال الحكيم من معرفته باللّه ، ربّما أطلق النّاس اسم الحكمة على مثل تلك الكلمات الكلّيّة ، ويقال للنّاطق بها : حكيم ، وذلك مثل قول سيّد الأنبياء عليه السّلام : « رأس الحكمة مخافة اللّه . الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من اتّبع نفسه هواها وتمنّى على اللّه . ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى . السّعيد من وعظ بغيره . القناعة مال لا ينفد . الصّبر نصف الإيمان ، اليقين الإيمان كلّه . فهذه الكلمات وأمثالها تسمّى حكمة ، وصاحبها يسمّى حكيما » . ( البروسويّ 1 : 235 ) ابن عطيّة : ( الحكيم ) المصيب مواقع الفعل المحكم لها . ( 1 : 212 ) الفخر الرّازيّ : ( العزيز ) : هو القادر الّذي لا يغلب . و ( الحكيم ) : هو العالم الّذي لا يجهل شيئا . وإذا كان عالما قادرا ، كان ما يفعله صوابا ومبرأ عن العبث والسّفه ، ولولا كونه كذلك لما صحّ منه إجابة الدّعاء ولا بعثة الرّسل ، ولا إنزال الكتاب . واعلم أنّ العزيز من صفات الذّات إذا أريد اقتداره على الأشياء وامتناعه من الهضم والذّلّة ، لأنّه إذا كان منزّها عن الحاجات لم تلحقه ذلّة المحتاج ، ولا يجوز أن يمنع من مراده حتّى يلحقه اهتضام ، فهو عزيز لا محالة . وأمّا الحكيم فإذا أريد به معنى العليم فهو من صفات الذّات ، فإذا أريد بالعزّة : كمال العزّة ، وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه ، وأريد بالحكمة : أفعال الحكمة ، لم يكن العزيز والحكيم من صفات الذّات بل من صفات الفعل ، والفرق بين هذين النّوعين من الصّفات وجوه : أحدها : أنّ صفات الذّات أزليّة ، وصفات الفعل ليست كذلك . وثانيها : أنّ صفات الذّات لا يمكن أن تصدق نقائضها في شيء من الأوقات ، وصفات الفعل ليست كذلك . وثالثها : أنّ صفات الفعل أمور نسبيّة ، يعتبر في تحقّقها صدور الآثار عن الفاعل ، وصفات الذّات ليست كذلك . واحتجّ النّظام على أنّه تعالى غير قادر على القبيح بأن قال : الإله يجب أن يكون حكيما لذاته ، وإذا كان حكيما لذاته لم يكن القبيح مقدورا ، والحكمة لذاتها تنافي فعل القبيح . فالإله يستحيل منه فعل القبيح ، وما كان محالا لم يكن مقدورا . إنّما قلنا : الإله يجب أن يكون حكيما ، لأنّه لو لم يجب ذلك لجاز تبدّله بنقيضه ، فحينئذ يلزم أن يكون الإله إلها مع عدم الحكمة وذلك بالاتّفاق محال . وأمّا أنّ الحكمة تنافي فعل السّفه فذلك أيضا معلوم بالبديهة . وأمّا أنّ مستلزم المنافي مناف فمعلوم بالبديهة . فإذن الإلهيّة لا يمكن تقريرها مع فعل السّفه ، وأمّا أنّ المحال غير مقدور فبيّن ، فثبت أنّ الإله لا يقدر على فعل القبيح . والجواب عنه : أمّا على مذهبنا فليس شيء من