الثّانية : قال قوم : هذا ناسخ للتّخيير ، وهذه دعوى عريضة ، فإنّ شروط النّسخ أربعة : منها معرفة التّاريخ بتحصيل المتقدّم والمتأخّر ، وهذا مجهول من هاتين الآيتين ، فامتنع أن يدّعى أنّ واحدة منها ناسخة للأخرى ، وبقي الأمر على حاله . ( 2 : 632 )
الفخر الرّازيّ : وفيه مسائل : المسألة الأولى : [ نحو الزّمخشريّ ]
المسألة الثّانية : قالوا : هذه الآية ناسخة للتّخيير في قوله :
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ .
المسألة الثّالثة : أعيد ذكر الأمر بالحكم بعد ذكره في الآية الأولى ، إمّا للتّأكيد وإمّا لأنّهما حكمان أمر بهما جميعا ، لأنّهم احتكموا إليه في زنا المحصن ، ثمّ احتكموا في قتيل كان فيهم . ( 12 : 14 )
القرطبيّ : تقدّم الكلام فيها ، وأنّها ناسخة للتّخيير . [ ثمّ نقل قول ابن العربيّ وأضاف : ]
قلت : قد ذكرنا عن أبي جعفر النّحّاس « 1 » أنّ هذه الآية متأخّرة في النّزول ، فتكون ناسخة إلّا أن يقدّر في الكلام : وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه إن شئت ، لأنّه قد تقدّم ذكر التّخيير له فأخّر الكلام ، [ و ] حذف التّخيير منه لدلالة الأوّل عليه ، لأنّه معطوف عليه ، فحكم التّخيير كحكم المعطوف عليه . فهما شريكان ، وليس الآخر بمنقطع ممّا قبله ؛ إذ لا معنى لذلك ولا يصحّ ، فلا بدّ من أن يكون قوله :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
معطوفا على ما قبله من قوله :
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ،
ومن قوله :
فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ
بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ .
فمعنى
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ،
أي احكم بذلك إن حكمت واخترت الحكم ، فهو كلّه محكم غير منسوخ ، لأنّ النّاسخ لا يكون مرتبطا بالمنسوخ معطوفا عليه ، فالتّخيير للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك محكم غير منسوخ ، قاله مكّيّ رحمه اللّه .
وَأَنِ احْكُمْ
في موضع نصب عطفا على ( الكتاب ) ، أي وأنزلنا إليك أن احكم بينهم بما أنزل اللّه ، أي بحكم اللّه الّذي أنزله إليك في كتابه . ( 6 : 212 )
أبو حيّان : هذه الآية ناسخة عند قوم ، للتّخيير الّذي في قوله :
أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ،
وتقدّم ذكر ذلك .
وأجازوا في
وَأَنِ احْكُمْ
ان يكون في موضع نصب عطفا على ( الكتاب ) أي والحكم ، وفي موضع جرّ عطفا على ( بالحقّ ) ، وفي موضع رفع على أنّه مبتدأ محذوف الخبر مؤخّرا ، والتّقدير : وحكمك بما أنزل أنزل اللّه أمرنا وقولنا ، أو مقدّما والتّقدير : ومن الواجب حكمك بما أنزل اللّه . وقيل ( ان ) تفسيريّة ، وأبعد ذلك من أجل الواو ، ولا يصحّ ذلك بأن يقدّر قبل فعل الأمر فعلا محذوفا فيه معنى القول ، أي وأمرناك أن احكم ، لأنّه يلزم من ذلك حذف الجملة المفسّرة بأن وما بعدها ، وذلك لا يحفظ من كلام العرب . وقرئ بضمّ النّون من ( وان احكم ) اتباعا لحركة الكاف ، وبكسرها على أصل التقاء السّاكنين ، والضّمير في ( بينهم ) عائد على اليهود ، وقيل : على جميع المتحاكمين . ( 3 : 504 )
هامش
( 1 ) لم نر موضعا ذكره عن النّحّاس .