أهواءهم عمّا جاءك من الحقّ . وبديهة أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله لا يحكم إلّا بالحقّ ، ولا يتساهل فيه كبيرا كان أو صغيرا . . . ( 3 : 67 )
الطّباطبائيّ : أي إذا كانت الشّريعة النّازلة إليك المودعة في الكتاب حقّا - وهو حقّ فيما وافق ما بين يديه من الكتب ، وحقّ فيما خالفه لكونه مهيمنا عليه - فليس لك إلّا أن تحكم بين أهل الكتاب ، كما يؤيّده ظاهر الآيات السّابقة ، أو بين النّاس ، كما تؤيّده الآيات اللّاحقة . . .
ومن هنا يظهر جواز أن يراد بقوله :
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ
الحكم بين أهل الكتاب ، أو الحكم بين النّاس ، لكن تبعّد المعنى الأوّل حاجته إلى تقدير كقولنا : فاحكم بينهم إن حكمت ، فإنّ اللّه سبحانه لم يوجب عليه صلّى اللّه عليه وآله الحكم بينهم ، بل خيّره بين الحكم والإعراض بقوله :
فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
على أنّ اللّه سبحانه ذكر المنافقين مع اليهود في أوّل الآيات ، فلا موجب لاختصاص اليهود برجوع الضّمير إليهم لسبق الذّكر وقد ذكر معهم غيرهم ، فالأنسب أن يرجع الضّمير إلى النّاس لدلالة المقام . ( 5 : 349 )
مكارم الشّيرازيّ : تؤكّد الآية على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله انطلاقا من الحقيقة المذكورة ، ضرورة الحكم بتعاليم وقوانين القرآن بين النّاس ، حيث تقول :
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ . . . .
وقد اقترنت هذه الجملة ب ( الفاء ) التّفريعيّة وهي نتيجة ، أو دلالة لشموليّة أحكام الإسلام بالنّسبة لأحكام الشّرائع السّماويّة الأخرى ، ولا تعارض هنا بين هذا الأمر ، وبين ما سبق من أمر في آية سابقة ، حيث خيّرت النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وآله بين الحكم بين اليهود أو تركهم لحالهم ، لأنّ هذه الآية ترشد النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله - إن هو أراد أن يحكم بين أهل الكتاب - إلى أنّ عليه أن يحكم بتعاليم وقوانين القرآن بينهم . ( 4 : 28 )
فضل اللّه : وجوب التزام الحقّ في الحكم .
وعلى ضوء ذلك كان القرآن هو الّذي تنطلق منه القاعدة ، ويتحرّك معه الخطّ المستقيم ، ويدفع بالحكم إلى مواقع الحقّ .
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
من الكتاب عليك ، لشموليّته لما في الكتب السّماويّة ، فلا يشعر اليهوديّ بغرابة الحكم الشّرعيّ الّذي يصدره الحاكم المسلم عليه ، لأنّ التّوراة ليست غريبة عنه . ولا يجد النّصرانيّ أيّ إشكال في القضاء الإسلاميّ في القضايا الّتي يتحاكم فيها إليه ، لأنّها لا تبتعد عن أجواء المفاهيم العامّة في الإنجيل . ( 8 : 198 )
3 -
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ . . .
المائدة : 49
ابن عبّاس : قال كعب بن أسد وابن صوريا وشاس ابن قيس ، بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمّد ، لعلّنا نفتنه عن دينه ، فأتوه فقالوا : يا محمّد إنّك قد عرفت أنّا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم ، وأنّا إن اتّبعناك اتّبعنا يهود ولم يخالفونا ، وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك ، فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك