تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
آخر . ( 5 : 341 ) مكارم الشّيرازيّ : ثمّ تخيّر الآية النّبيّ بين أن يحكم بينهم ، أو أن يتجنّبهم ويتركهم ، حيث تقول الآية :
فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ . . .
ولا يعني التّخيير أن يستخدم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ميله ورغبته في اختيار أحد الأمرين المذكورين ، بل المراد من ذلك هو أن يراعي النّبيّ الظّروف والملابسات المحيطة بكلّ حالة ، فإن رأى الوضع يقتضي الحكم بينهم حكم ، وإن رأى خلاف ذلك تركهم وأعرض عنهم . ولكي تعزّز الآية الاطمئنان في نفس النّبيّ صلّى اللّه عليه واله ، إن هو ارتأى الإعراض عن هؤلاء لمصلحة ، أكّدت قائلة :
وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً . . . .
كما أكّدت ضرورة اتّباع العدل وتطبيقه ، إذا كانت الحالة تقتضي أن يحكم النّبيّ بين هؤلاء ، فقالت الآية :
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ .
ثمّ حكى أقوال المفسّرين ، فلاحظ . ( 4 : 13 ) فضل اللّه : هل يجوز تحاكم غير المسلم عند القاضي المسلم ؟ هذا وقد أثار المفسّرون والفقهاء مسألة وظيفة القاضي المسلم في النّظام الإسلاميّ ، إذا تحاكم لديه شخصان من غير المسلمين ، فهل يجب عليه أن يحكم بينهما ، أو لا يجب عليه ذلك تعيينا ، بل هو مخيّر بين قبول الدّعوى والنّظر في تفاصيلها ، وبين الإعراض عنها ، وترك قبوله الدّعوى بحسب ما يراه من المصلحة في خصوصيّة القضيّة ، أو في أصل موضوع الحكم في طبيعته ؟ وقد ذكروا اتّفاق الفقهاء على أنّ غير الذّمّيّين إذا تخاصما لدى القاضي المسلم ، فللحاكم الخيار بين الرّفض للدّعوى أو قبولها ، تبعا لما يراه من المصلحة من خلال النّتائج السّلبيّة أو الإيجابيّة على الصّعيد العامّ أو الخاصّ . أمّا إذا كان المتخاصمون من أهل الذّمّة ، فقال علماء أهل السّنّة : بأنّه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بينهم إذا تحاكموا إليه ، لكن في رأي مالك وأبي حنيفة ومحمّد بن الحسن : لا يحدّ الذّمّيّون حدّ الزّنى . ورأى الشّافعيّ وأبو يوسف : أنّهم يحدّون إن أتوا راضين بحكمنا . وذهب أبو حنيفة والنّخعيّ وعمر بن عبد العزيز إلى أنّ التّخيير المذكور في الآية منسوخ بقوله تعالى :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
المائدة : 49 ، وأنّ على الحاكم أن يحكم بين أهل الذّمّة . وهو رأي ابن عبّاس والحسن ومجاهد وعكرمة . وقال فقهاء الشّيعة الإماميّة : بل هو مخيّر إن شاء حكم وإن شاء رفض . ولم يثبت نسخ الآية بالآية المذكورة . أمّا إذا كان أحد المتحاكمين مسلما والآخر غير مسلم ، فيجب على الحاكم قبول الدّعوى . ولا بدّ في حالة قبول الدّعوى في جميع الحالات ، من الحكم بالعدل بما أنزل اللّه ، وربّما يخطر في البال أنّ المسألة قد تأخذ - في بعض المراحل - بعدا كبيرا في مصلحة النّظام الإسلاميّ في نطاق الدّولة الإسلاميّة من المسلمين
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 290 | مجمع البحوث الاسلامية