تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
قال : إنّ حكم هذه الآية ثابت لم ينسخ ، وإنّ للحكّام من الخيار في الحكم بين أهل العهد ، إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا ، وترك الحكم بينهم والنّظر مثل الّذي جعله اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك في هذه الآية . وإنّما قلنا ذلك أولاهما بالصّواب : لأنّ القائلين إنّ حكم هذه الآية منسوخ ، زعموا أنّه نسخ بقوله :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ .
وقد دلّلنا في كتابنا « كتاب البيان عن أصول الأحكام » أنّ النّسخ لا يكون نسخا ، إلّا ما كان نفيا لحكم غيره بكلّ معانيه ، حتّى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين جميعا على صحّته بوجه من الوجوه ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان غير مستحيل في الكلام أن يقال : وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه ، ومعناه : وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه ، إذا حكمت بينهم باختيارك الحكم بينهم ، إذا اخترت ذلك ولم تختر الإعراض عنهم ؛ إذ كان قد تقدّم إعلام المقول له ذلك من قائله : إنّ له الخيار في الحكم وترك الحكم ، كان معلوما بذلك أن لا دلالة في قوله :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
أنّه ناسخ قوله :
فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ . . .
لما وصفنا من احتمال ذلك ما بيّنّا ، بل هو دليل على مثل الّذي دلّ عليه قوله :
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ .
وإذا لم يكن في ظاهر التّنزيل دليل على نسخ إحدى الآيتين الأخرى ، ولا نفي أحد الأمرين حكم الآخر ، ولم يكن عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خبر يصحّ بأنّ أحدهما ناسخ صاحبه ، ولا من المسلمين على ذلك إجماع ، صحّ ما قلنا : من أنّ كلا الأمرين يؤيّد أحدهما صاحبه ويوافق حكمه حكمه ، ولا نسخ في أحدهما للآخر . ( 6 : 242 ) نحوه البغويّ . ( 2 : 53 ) الطّوسيّ : في اختيار الحكّام والأئمّة الحكم بين أهل الذّمّة إذا احتكموا إليهم قولان : أحدهما : قال إبراهيم ، والشّعبيّ ، وقتادة ، وعطاء ، والزّجّاج ، والطّبريّ ، وهو المرويّ عن عليّ عليه السّلام ، والظّاهر في رواياتنا : أنّه حكم ثابت والتّخيير حاصل . وقال الحسن ، وعكرمة ، ومجاهد ، والسّدّيّ ، والحكم ، وجعفر بن مبشّر ، واختاره الجبّائيّ : أنّه منسوخ بقوله :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
المائدة : 49 ، فنسخ الاختيار وأوجب الحكم بينهم بالقسط . ( 3 : 529 ) نحوه الطّبرسيّ . ( 2 : 196 ) الزّمخشريّ : قيل : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مخيّرا إذا تحاكم إليه أهل الكتاب بين أن يحكم بينهم ، وبين أن لا يحكم . [ ثمّ نقل أقوال المفسّرين ] ( 1 : 614 ) نحوه الفخر الرّازيّ ( 11 : 235 ) ، والنّسفيّ ( 1 : 284 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 376 ) ، وشبّر ( 2 : 177 ) . ابن عطيّة : [ نقل الأقوال ثمّ قال : ] وقال كثير من العلماء : هي محكمة ، وتخيير الحكّام باق ، وهذا هو الأظهر إن شاء اللّه . وفقه هذه الآية أنّ الأمّة - فيما علمت - مجمعة على أنّ حاكم المسلمين يحكم بين أهل الذّمّة في التّظالم ، ويتسلّط عليهم في تغييره ، وينقر عن صورته كيف وقع ، فيغيّر ذلك . ومن التّظالم حبس السّلع المبيعة ،