تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
يعني علّمنا الحكومة في ذلك سليمان . وقيل : إنّ اللّه تعالى فهّم سليمان قيمة ما أفسدت الغنم . ثمّ أخبر تعالى بأنّه آتى كلّا حكما وعلما ، فدلّ على أنّ ما حكم به داود كان بوحي اللّه وتعليمه . وقيل : معنى قوله :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
أي فتحنا له طريق الحكومة ، لما اجتهد في طلب الحقّ فيها ، من غير عيب على داود فيما كان منه في ذلك ، لأنّه اجتهد فحكم بما أدّى اجتهاده إليه . ( 7 : 267 ) نحوه الطّبرسيّ ( 4 : 57 ) ، وشبّر ( 4 : 209 ) . الزّمخشريّ : حكم داود بالغنم لصاحب الحرث ، فقال سليمان عليه السّلام وهو ابن إحدى عشرة سنة : غير هذا أرفق بالفريقين ، فعزم عليه ليحكمنّ ، فقال : أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها ، والحرث إلى أرباب الشّاء يقومون عليه حتّى يعود كهيئته يوم أفسد ، ثمّ يترادّان . فقال : القضاء ما قضيت ، وأمضى الحكم بذلك . فإن قلت : أحكما بوحي أم باجتهاد ؟ قلت : حكما جميعا بالوحي ؛ إلّا أنّ حكومة داود نسخت بحكومة سليمان عليهما السّلام . وقيل : اجتهدا جميعا ، فجاء اجتهاد سليمان عليه السّلام أشبه بالصّواب . فإن قلت : ما وجه كلّ واحدة من الحكومتين ؟ قلت : أمّا وجه حكومة داود عليه السّلام فلأنّ الضّرر لمّا وقع بالغنم سلّمت بجنايتها إلى المجنيّ عليه . . . ولعلّ قيمة الغنم كانت على قدر النّقصان في الحرث . ووجه حكومة سليمان عليه السّلام أنّه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث ، من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم ، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتّى يزول الضّرر والنّقصان . . . وفي قوله :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
دليل على أنّ الأصوب كان مع سليمان عليه السّلام . وفي قوله :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
دليل على أنّهما جميعا كانا على الصّواب . ( 2 : 579 ) نحوه الشّربينيّ . ( 2 : 515 ) الفخر الرّازيّ : هاهنا أمور ولا بدّ من البحث عنها : السّؤال الأوّل : هل في الآية دلالة على أنّهما عليهما السّلام اختلفا في الحكم أم لا ؟ فإنّ أبا بكر الأصمّ قال : إنّهما لم يختلفا ألبتّة ، وأنّه تعالى بيّن لهما الحكم ، لكنّه بيّنه على لسان سليمان عليه السّلام . الجواب : الصّواب أنّهما اختلفا ، والدّليل إجماع الصّحابة والتّابعين رضي اللّه عنهم ، على ما رويناه ، وأيضا فقد قال اللّه تعالى :
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ
ثمّ قال :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
والفاء للتّعقيب فوجب أن يكون ذلك الحكم سابقا على هذا التّفهيم ، وذلك الحكم السّابق إمّا أن يقال : اتّفقا فيه أو اختلفا فيه ، فإن اتّفقا فيه لم يبق لقوله :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
فائدة ، وإن اختلفا فيه فذلك هو المطلوب . السّؤال الثّاني : سلّمنا أنّهما اختلفا في الحكم ، ولكن هل كان الحكمان صادرين عن النّصّ أو عن الاجتهاد ؟ الجواب : الأمران جائزان عندنا . وزعم الجبّائيّ أنّهما كانا صادرين عن النّصّ .