أي عالمين ، وقوله تعالى :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
ومقتضى وقوع الحكمين ، في قضيّة واحدة وفي وقت واحد ؛ إذ « 1 » أنّ الحكمين لم يكونا عن وحي من اللّه ، وأنّهما إنّما كانا عن علم أوتيه داود وسليمان ، فذلك من القضاء بالاجتهاد . وهو جار على القول الصّحيح من جواز الاجتهاد للأنبياء ولنبيّنا عليهم الصّلاة والسّلام ، ووقوعه في مختلف المسائل . [ إلى أن قال : ]
وإضافة « حكم » إلى ضمير الجمع باعتبار اجتماع الحاكمين والمتحاكمين .
وتأنيث الضّمير في قوله :
فَفَهَّمْناها
- ولم يتقدّم لفظ معاد مؤنّث اللّفظ - على تأويل الحكم في قوله تعالى :
لِحُكْمِهِمْ
بمعنى الحكومة أو الخصومة .
وجملة
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
تذييل للإحتراس ، لدفع توهّم أنّ حكم داود كان خطأ أو جورا ، وإنّما كان حكم سليمان أصوب . ( 17 : 84 )
الطّباطبائيّ : السّياق يعطي أنّها واقعة واحدة بعينها ، رفع حكمها إلى داود ، لكونه هو الملك الحاكم في بني إسرائيل ، وقد جعله اللّه خليفة في الأرض ، كما قال :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ
ص : 26 ، فإن كان سليمان يداخل في حكم الواقعة فعن إذن منه ولحكمة مّا ، ولعلّها إظهار أهليّته للخلافة بعد داود . ومن المعلوم أن لا معنى لحكم حاكمين في واقعة واحدة شخصيّة ، مع استقلال كلّ واحد منهما في الحكم ونفوذه .
ومن هنا يظهر أنّ المراد بقوله :
إِذْ يَحْكُمانِ
إذ يتناظران أو يتشاوران في الحكم ، لا إصدار الحكم النّافذ ، ويؤيّده كمال التّأييد التّعبير بقوله :
إِذْ يَحْكُمانِ
على نحو حكاية الحال الماضية ، كأنّهما أخذا في الحكم أخذا تدريجيّا لم يتمّ بعد ، ولن يتمّ إلّا حكما واحدا نافذا ، وكان الظّاهر أن يقال : إذ حكما . ويؤيّده أيضا قوله :
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ،
فإنّ الظّاهر أنّ ضمير
لِحُكْمِهِمْ
للأنبياء ، وقد تكرّر في كلامه تعالى أنّه آتاهم الحكم ، لا كما قيل : إنّ الضّمير لداود وسليمان والمحكوم لهم ؛ إذ لا وجه يوجّه به نسبة الحكم إلى المحكوم لهم أصلا ، فكان الحكم حكما واحدا هو حكم الأنبياء .
والظّاهر أنّه ضمان صاحب الغنم للمال الّذي أتلفته غنمه ، فكان الحكم حكما واحدا اختلفا في كيفيّة إجرائه عملا ؛ إذ لو كان الاختلاف في أصل الحكم ، لكان فرض صدور حكمين منهما بأحد وجهين :
إمّا بكون كلا الحكمين حكما واقعيّا للّه ، ناسخا أحدهما - وهو حكم سليمان - الآخر - وهو حكم داود - لقوله تعالى :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ .
وإمّا بكون الحكمين معا عن اجتهاد منهما بمعنى الرّأي الظّنّيّ مع الجهل بالحكم الواقعيّ ، وقد صدّق تعالى اجتهاد سليمان فكان هو حكمه .
أمّا الأوّل وهو كون حكم سليمان ناسخا لحكم داود ، فلا ينبغي الارتياب في أنّ ظاهر جمل الآية لا يساعد عليه ؛ إذ النّاسخ والمنسوخ متباينان ، ولو كان حكماهما
هامش
( 1 ) كذا والظّاهر : ( أنّ الحكمين ) بدون ( إذ ) خبرا ل ( أنّ مقتضى ) .