ثمّ إنّه تارة يبنى ذلك على أنّ الاجتهاد غير جائز من الأنبياء ، وأخرى على أنّ الاجتهاد وإن كان جائزا منهم في الجملة ، ولكنّه غير جائز في هذه المسألة . [ ثمّ أدام الكلام حول هذه المسألة فلاحظ ] ( 22 : 195 )
القرطبيّ : أي واذكر هما إذ يحكمان ، ولم يرد بقوله :
إِذْ يَحْكُمانِ
الاجتماع في الحكم وإن جمعهما في القول ، فإنّ حكمين على حكم واحد لا يجوز . وإنّما حكم كلّ واحد منهما على انفراده ، وكان سليمان الفاهم لها بتفهيم اللّه تعالى إيّاه :
فِي الْحَرْثِ . . .
قوله تعالى :
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ
دليل على أنّ أقلّ الجمع اثنان . وقيل : المراد الحاكمان والمحكوم عليه ، فلذلك قال :
لِحُكْمِهِمْ . . .
قوله تعالى :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
تأوّل قوم أنّ داود عليه السّلام لم يخطئ في هذه النّازلة ، بل فيها أوتي الحكم والعلم . وحملوا قوله :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
على أنّه فضيلة له على داود ، وفضيلته راجعة إلى داود ، والوالد تسرّه زيادة ولده عليه . وقالت فرقة : بل لأنّه لم يصب العين المطلوبة في هذه النّازلة ، وإنّما مدحه اللّه بأنّ له حكما وعلما يرجع إليه في غير هذه النّازلة . وأمّا في هذه فأصاب سليمان وأخطأ داود عليهما السّلام ، ولا يمتنع وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم ، لكن لا يقرّون عليه وإن أقرّ عليه غيرهم . . . .
وقال قوم : كان داود وسليمان عليهما السّلام نبيّين يقضيان بما يوحى إليهما ، فحكم داود بوحي ، وحكم سليمان بوحي نسخ اللّه به حكم داود ، وعلى هذا
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
أي بطريق الوحي النّاسخ لما أوحي إلى داود ، وأمر سليمان أن يبلّغ ذلك داود ، ولهذا قال :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً .
هذا قول جماعة من العلماء ومنها ابن فورك .
وقال الجمهور : إنّ حكمهما كان باجتهاد . ( 11 : 307 )
أبو حيّان : والظّاهر أنّ كلّا من داود وسليمان حكم بما ظهر له ، وهو متوجّه عنده فحكمهما باجتهاد ، وهو قول الجمهور ، واستدلّ بهذه الآية على جواز الاجتهاد .
( 6 : 330 )
أبو السّعود : وقوله تعالى :
إِذْ يَحْكُمانِ
ظرف للمضاف المقدّر ، وصيغة المضارع حكاية للحال الماضية لاستحضار صورتها ، أي اذكر خبرهما وقت حكمهما
فِي الْحَرْثِ . . .
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ
أي لحكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما ، فإنّ الإضافة لمجرّد الاختصاص المنتظم لاختصاص القيام واختصاص الوقوع . وقرئ ( لحكمهما ) . . .
وقوله تعالى :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
لدفع ما عسى يوهمه تخصيص سليمان عليه السّلام بالتّفهيم من عدم كون حكم داود عليه السّلام حكما شرعيّا ، أي وكلّ واحد منهما آتينا حكما وعلما كثيرا لا سليمان وحده ، وهذا إنّما يدلّ على أنّ خطأ المجتهد لا يقدح في كونه مجتهدا . وقيل بل على أنّ كلّ مجتهد مصيب ، وهو مخالف لقوله تعالى :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ .
ولولا النّقل لاحتمل توافقهما على أنّ قوله تعالى :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
لإظهار ما تفضّل عليه في صغره ، فإنّه عليه السّلام كان حينئذ ابن إحدى عشرة