سنة . ( 4 : 349 )
البروسويّ :
إِذْ يَحْكُمانِ
أي اذكر خبرهما وقت حكمهما في وقت الحرث . . .
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ
أي لحكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما . فإن قيل : كيف يجوز أن يجعل الضّمير لمجموع الحاكمين والمتحاكمين ؟ وهو يستلزم إضافة المصدر إلى فاعله ومفعوله دفعة واحدة ، وهو إنّما يضاف إلى أحدهما فقط ، لأنّ إضافته إلى الفاعل على سبيل القيام به ، وإضافته إلى المفعول على سبيل الوقوع عليه ، فهما معمولان مختلفان ، فلا يكون اللّفظ الواحد مستعملا فيهما معا . وأيضا أنّه يستلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ، لأنّ إضافته إلى الفاعل حقيقة ، وإلى المفعول مجاز .
فالجواب : أنّ هذه الإضافة لمجرّد الاختصاص مع كون القطع عن كون المضاف إليه فاعلا أو مفعولا على طريق عموم المجاز ، كأنّه قيل : وكنّا للحكم المتعلّق بهم شاهدين حاضرين . . . .
آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
كثيرا لا سليمان وحده ، فحكم كليهما حكم شرعيّ .
قال في « التّأويلات النّجميّة » : أي حكمة وعلما ، ليحكم كلّ واحد منهما موافقا للعلم والحكمة بتأييدنا ، وإن كان مخالفا في الحكم بحكمتنا ، ليتحقّق صحّة أمر الاجتهاد ، وأنّ كلّ مجتهد مصيب ، كما قال في « الإرشاد » . وهذا يدلّ على أنّ خطأ المجتهد لا يقدح في كونه مجتهدا . ( 5 : 504 )
المراغيّ : أي واذكر أيّها الرّسول الكريم نبأ داود وسليمان عليهما السّلام ، حين حكما في الزّرع الّذي رعته غنم لقوم آخرين غير صاحب الحرث ليلا فأفسدته ، وكان ربّك شاهدا عليما بما حكم به داود وسليمان ، بين القوم الّذين أفسدت غنمهم الحرث ، وصاحب الحرث لا يخفى عليه شيء منه ولا يغيب عنه علمه ، ففهّم الفتيا في ذلك لسليمان دون داود ، وقد كان كلّ منهما فيصلا في الحكم في الخصومات ، ذا علم بالدّين والتّشريع . ( 17 : 57 )
ابن عاشور : كان في قصّة داود وسليمان تنبيه على أصل الاجتهاد وعلى فقه القضاء ، فلذلك خصّ داود وسليمان بشيء من تفصيل أخبارهما ، فيكون ( داود ) عطفا على ( نوحا ) في قوله : ( ونوحا ) الأنبياء : 76 ، أي وآتينا داود وسليمان حكما وعلما إذ يحكمان . . . إلى آخره . ف
إِذْ يَحْكُمانِ
متعلّق ب « اتينا » المحذوف ، أي كان وقت حكمهما في قضيّة الحرث مظهرا من مظاهر حكمهما وعلمهما .
والحكم : الحكمة ، وهو النّبوءة . والعلم : أصالة الفهم . و
إِذْ نَفَشَتْ
متعلّق ب
يَحْكُمانِ .
فهذه القضيّة الّتي تضمّنتها الآية مظهر من مظاهر العدل ، ومبالغ تدقيق فقه القضاء والجمع بين المصالح والتّفاضل بين مراتب الاجتهاد ، واختلاف طرق القضاء بالحقّ مع كون الحقّ حاصلا للمحقّ ، فمضمونها أنّها الفقه في الدّين الّذي جاء به المرسلون من قبل . [ إلى أن قال : ]
واعلم أنّ مقتضى عطف ( داود ) و ( سليمان ) على ( إبراهيم ) ، ومقتضى قوله :
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ