تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وأخطأ داود . فأمّا حكم داود فإنّه قضى لصاحب الحرث ، وأمّا حكم سليمان فإنّه رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث لينتفع بدرّها ونسلها ، ويدفع الحرث إلى صاحب الغنم ويأخذ بعمارته ، فإذا عاد في السّنة المقبلة إلى مثل حاله ردّت الغنم إلى صاحبها ، وردّ الحرث إلى صاحبه ، حكاه ابن مسعود ومجاهد ، فرجع داود إلى قضاء سليمان فحكم به ، فقال اللّه تعالى :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ،
فجعل الحقّ معه وفي حكمه ، ولا يمتنع وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم ، لكن لا يقرّون عليه وإن أقرّ عليه غيرهم ، ليعود اللّه بالحقائق لهم دون خلقه ، ولذلك تسمّى بالحقّ ، وتميّز به عن الخلق . [ إلى أن قال : ] فإن قيل : فكيف نقض داود حكمه باجتهاد سليمان ؟ فالجواب عنه من وجهين : أحدهما : يجوز أن يكون داود ذكر حكمه على الإطلاق ، وكان ذلك منه على طريق الفتيا ، فذكره لهم ليلزمهم إيّاه ، فلمّا ظهر له ما هو أقوى في الاجتهاد منه عاد إليه . الثّاني : أنّه يجوز أن يكون اللّه أوحى بهذا الحكم إلى سليمان فلزمه ذلك ، ولأجل النّصّ الوارد بالوحي ، رأى أن ينقض اجتهاده ، لأنّ على الحاكم أن ينقض حكمه بالاجتهاد ، إذا خالف نصّا . على أنّ العلماء قد اختلفوا في الأنبياء ، هل يجوز لهم الاجتهاد في الأحكام . [ ثمّ بحث حول هذه المسألة وقال : ] وفي المراد بالحكم والعلم وجهان محتملان : أحدهما أنّ الحكم : القضاء ، والعلم : الفتيا ، والثّاني أنّ الحكم : الاجتهاد ، والعلم : النّصّ . ( 3 : 457 ) الطّوسيّ : قال أبو عليّ الجبّائيّ : أوحى اللّه إلى سليمان ممّا نسخ به حكم داود الّذي كان يحكم به قبل . ولم يكن ذلك عن اجتهاد ، لأنّ الاجتهاد لا يجوز أن يحكم به الأنبياء . وهذا هو الصّحيح عندنا . وقال ابن الأخشاذ ، والبلخيّ ، والرّمّانيّ : يجوز أن يكون ذلك عن اجتهاد ، لأنّ رأي النّبيّ أفضل من رأي غيره ، فكيف يجوز التّعبّد بالتزام حكم غيره من طريق الاجتهاد ، ويمتنع من حكمه من هذا الوجه ؟ والدّليل على صحّة الأوّل أنّ الأنبياء عليهم السّلام يوحى إليهم ، ولهم طريق إلى العلم بالحكم ، فكيف يجوز أن يعملوا بالظّنّ ! والأمّة لا طريق لها إلى العلم بالأحكام ، فجاز أن يكلّفوا ما طريقه الظّنّ ؟ ! على أنّ عندنا لا يجوز في الأمّة أيضا العمل على الاجتهاد . وقد بيّنّا ذلك في غير موضع . ومن قال : إنّهما اجتهدا ، قال : أخطأ داود وأصاب سليمان . وذكروا في قوله :
إِذْ يَحْكُمانِ
ثلاثة أوجه : أحدها : إذ شرعا في الحكم فيه من غير قطع به في ابتداء الشّرع . وثانيها : أن يكون حكمه حكما معلّقا بشرط لم يفعله بعد . وثالثها : أن يكون معناه طلبا بحكم في الحرث ، ولم يبتديا به بعد . ويقوّي ما قلناه قوله تعالى :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ