اللّه ، إلّا أنّ البشر الّذي يصاب بالكبر وحبّ الذّات لا يرضخ لهذا القضاء ، فهو يبحث عن قضاء يشبع طمعه وشهواته . وما أجمل العبارة الّتي استخدمتها الآية الكريمة بحقّ هؤلاء
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . *
كما أنّ المرور بنجاح في مثل هذا الامتحان ، خير دليل على إيمان الإنسان ، ويسودّ وجه الّذين كفروا !
ويستوقفنا قول القرآن في موضع آخر :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
النّساء : 65 ، أجل ، المؤمنون الحقيقيّون لا يرتضون قضاءك فحسب ، وإنّما قد سلّموا أنفسهم لك حتّى إن لحقهم ضرر .
أمّا المنافقون ، فلا يقنعون بحكم من اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وآله إلّا ما يحقّق مصالحهم ، فهم عبيد لها على الرّغم من ادّعائهم الإيمان ، فهم مشركون حقّا !
( 11 : 118 )
16 -
إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .
النّور : 51
ابن عبّاس : ليحكم الرّسول ( بينهم ) بكتاب اللّه بحكم اللّه . ( 298 )
الزّمخشريّ : قرئ ( ليحكم ) على البناء للمفعول .
فإن قلت : إلام أسند ( يحكم ) ولا بدّ له من فاعل ؟
قلت : هو مسند إلى مصدره ، لأنّ معناه ليفعل الحكم بينهم . ومثله « جمع بينهما » ، و « ألّف بينهما » . ومثله
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
الأنعام : 94 ، فيمن قرأ بينكم منصوبا ، أي وقع التّقطّع بينكم ، وهذه القراءة بحاوبة لقوله :
( دعوا ) . ( 3 : 72 )
ابن عطيّة : قرأ الجمهور
( لِيَحْكُمَ )
على بناء الفعل للفاعل ، وقرأ أبو جعفر والجحدريّ وخالد بن إلياس والحسن ( ليحكم ) على بناء الفعل للمفعول . ( 4 : 191 )
نحوه البيضاويّ . ( 2 : 132 )
الشّربينيّ : أي الرّسول ( بينهم ) بما أراه اللّه تعالى ، أيّ حكومة من الحكومات لهم أو عليهم . ( 2 : 634 )
نحوه أبو السّعود ( 4 : 475 ) ، والبروسويّ ( 6 :
170 ) .
الطّباطبائيّ : يشهد سياق الآية أنّ الآيات إنّما نزلت في بعض من المنافقين دعوا إلى حكم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في منازعة وقعت بينه وبين غيره ، فأبى الرّجوع إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وفي ذلك نزلت الآيات .
والنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله إنّما كان يحكم بينهم بحكم اللّه على ما أراه اللّه ، كما قال تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ
النّساء : 105 ، فللحكم نسبة إليه بالمباشرة ، ونسبة إلى اللّه سبحانه من حيث كان الحكم في ضوء شريعته ، وبنصبه النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله للحكم والقضاء .
وبذلك يظهر أنّ المراد بالدّعوة إلى اللّه ليحكم بينهم هي الدّعوة إلى المتابعة لما يقتضيه شرعه تعالى في مورد النّزاع ، وبالدّعوة إلى رسوله ليحكم بينهم هي الدّعوة