ولأنّ الكتاب هو أصل الحكم فأسند إليه ردّا للأصل ، وهذا قول الجمهور . وأجاز الزّمخشريّ أن يكون الفاعل النّبيّ ، قال : ليحكم اللّه أو الكتاب أو النّبيّ المنزل عليه ، وإفراد الضّمير يضعّف ذلك ، على أنّه يحتمل ما قاله فيعود على أفراد الجمع ، أي ليحكم كلّ نبيّ بكتابه ، ولا حاجة إلى هذا التّكلّف مع ظهور عود الضّمير على اللّه تعالى ، ويبيّن عوده على اللّه تعالى قراءة الجحدريّ فيما ذكر سكّيّ ( لنحكم ) بالنّون ، وهو متعيّن عوده على اللّه تعالى ، ويكون ذلك التفاتا ؛ إذ خرج من ضمير الغائب في ( انزل ) إلى ضمير المتكلّم ، وظنّ ابن عطيّة هذه القراءة تصحيفا قال ما معناه : لأنّ مكّيّا لم يحك عن الجحدريّ قراءته الّتي نقل النّاس عنه وهي ( ليحكم ) على بناء الفعل للمفعول ، ونقل مكّيّ ( لنحكم ) بالنّون .
وفي القراءة الّتي نقل النّاس من قوله : ( وليحكم ) حذف الفاعل للعلم به . والأولى أن يكون اللّه تعالى ، قالوا : ويحتمل أن يكون الكتاب أو النّبيّون وهي ظرف مكان ، وهو هنا مجاز ، وانتصابه بقوله ( ليحكم ) و ( فيما ) متعلّق به أيضا . ( 2 : 136 )
الشّربينيّ : أي اللّه أو الكتاب أو النّبيّ المبعوث .
ورجّح الثّاني التّفتازانيّ وقال : لا بدّ في عوده إلى اللّه تكلّف في المعنى ، أي ليظهر حكمه ، وإلى النّبيّ من تكلّف في اللّفظ ، حيث لم يقل : ليحكموا .
ورجّح أبو حيّان الأوّل ، وهو الظّاهر . قال : والمعنى أنّه أنزل الكتاب ليفصل به بين النّاس . ونسبة الحكم إلى الكتاب مجاز ، كما أنّ إسناد النّطق إليه في
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ
الجاثية : 29 ، كذلك . ( 1 : 139 )
الآلوسيّ : علّة للإنزال المذكور ، أوله وللبعث ، وهذا البعث المعلّل هو المتأخّر عن الاختلاف ، فلا يضرّ تقدّم بعثة آدم وشيث وإدريس عليهم السّلام بناء على بعض الوجوه السّابقة ، والحكم بمعنى الفصل بقرينة تعلّق ( بين ) به ، ولو كان بمعنى القضاء لتعدّى ب « على » . والضّمير المستتر راجع إلى اللّه سبحانه ، ويؤيّده قراءة الجحدريّ فيما رواه عنه مكّي ( لنحكم ) بنون العظمة ، أو إلى النّبيّ .
وأفرد الفعل ، لأنّ الحاكم كلّ واحد من النّبيّين ، وجوّز رجوعه إلى الكتاب ، والإسناد حينئذ مجازيّ باعتبار تضمّنه ما به الفصل . وزعم بعضهم أنّه الأظهر ؛ إذ لا بدّ في عوده إلى اللّه تعالى من تكلّف في المعنى ، أي يظهر حكمه ، وإلى النّبيّ من تكلّف في اللّفظ حيث لم يقل :
ليحكموا ، وممّا ذكرنا يعلم ما فيه من الضّعف . ( 2 : 101 )
نحوه ابن عاشور . ( 2 : 291 )
3 -
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ . . .
آل عمران : 23
ابن عبّاس : بالرّجم كما في كتابهم على المحصن والمحصنة اللّذين زنيا في خيبر . ( 45 )
أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم دخل بيت المدارس على جماعة من اليهود ، فدعاهم إلى اللّه فقال رجلان منهم : على أيّ دين أنت ؟ فقال : « على ملّة إبراهيم » ، قالا : فإنّه كان يهوديّا ، قال : « فهلمّوا إلى التّوراة فأتيا عليه » ، فنزلت هذه