وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ ؟
وهذا جواب من اللّه سبحانه على تساؤل السّائلين للنّبيّ عن الحاقّة ، إنّ النّبيّ الّذي يسألونه ، ويرجون الجواب عنده ، لا يدري ما هي الحاقّة ؟ إنّها شيء من وراء تصوّرات العقول ، واحتمال المدارك .
أمّا معنى
الْحَاقَّةُ *
من حيث اللّغة ، فهو اسم فاعل من الحقّ ، وحقّ الشّيء : وجب ووقع ، فالحاقّة لغة بمعنى الواجبة ، والواقعة ، أي الواجبة الوقوع ، وهذا يعني أنّها شيء سيقع حتما . أمّا ما صفة هذا الشّيء الّذي سيقع ، وما صورته في العقول ، فهذا شيء لا يمكن أحدا أن يدرك وصفه ، أو يتمثّل صورته ، إنّه شيء مهول لم يقع للنّاس شيء مثله ، فكيف يستقيم له تصوّر في أفهامهم ؟
وجواب السّؤال عن الحاقّة في
مَا الْحَاقَّةُ *
يمكن أن يكون هو
كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ
الحاقّة : 4 ، كما سنتعرّض لهذا بعد قليل ، ويمكن أن يكون السّكوت عن الجواب هو الجواب ، لأنّ الّذين كفروا لا يستمعون إلى هذا الجواب ، ولا يؤمنون به ، كما فعلت ذلك عاد وثمود . وإذن ، فخير جواب على هؤلاء السّائلين المتعنّتين ، هو عدم الرّدّ عليهم ، وتركهم في بلبال وحيرة .
( 15 : 1123 )
المصطفويّ : أي الحياة الأخرويّة والسّاعة الآتية الثّابتة المحقّقة المسلّمة ، الّتي ليس للإنكار والجهل والخلاف أثر فيها . والتّعبير بصيغة الفاعل إشارة إلى حدوثها واستقبالها ، وهذا دون كلمة الحقّ أو الحقيق الدّالّين بصيغتهما على الثّبوت فعلا ، وفي حال الحكم .
( 2 : 284 )
مكارم الشّيرازيّ : ذهب أغلب المفسّرين إلى أنّ
الْحَاقَّةُ *
اسم من أسماء يوم القيامة ، باعتباره قطعيّ الوقوع ، كما هو بالنّسبة ل
الْواقِعَةُ *
في سورة « الواقعة » ، وقد جاء في الآية : 16 ، من هذه السّورة الاسم نفسه ، وهذا يؤكّد يقينيّة ذلك اليوم العظيم .
مَا الْحَاقَّةُ : *
تعبير لبيان عظمة ذلك اليوم ، كما يقال : إنّ فلانا إنسان ، ياله من إنسان ، ويقصد من هذا التّعبير وصف إنسانيّته دون تقييد حدّها .
والتّعبير ب
ما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ
هو التّأكيد مرّة أخرى على عظمة الأحداث في ذلك اليوم العظيم ، حتّى أنّ البارئ عزّ وجلّ يخاطب رسوله الكريم صلّى اللّه عليه وآله بأنّك لا تعلم ما هو ذلك اليوم ؟
وكما لا يمكن أن يدرك الجنين الّذي في بطن أمّه المسائل المتعلّقة بالدّنيا ، فإنّ أبناء الدّنيا - في الحقيقة - ليس بمقدورهم إدراك الحوادث الّتي تكون في يوم القيامة .
وذهب قلّة من المفسّرين إلى القول بأنّ المقصود من
الْحَاقَّةُ *
هو الإشارة إلى العذاب الإلهيّ الّذي يحلّ فجأة في هذه الدّنيا بالمشركين ، والمجرمين والطّغاة وأصحاب الهوى والمتمرّدين على الحقّ .
كما فسّرت ( القارعة ) الّتي وردت في الآية اللّاحقة بهذا المعنى أيضا ، وبلحاظ أنّ هذا التّفسير يتناسب بصورة أكثر مع ما جاء في الآيات اللّاحقة الّتي تتحدّث