عن حلول العذاب الشّديد ، بقوم عاد وثمود وفرعون وقوم لوط ، فقد ذهب بعض المفسّرين إلى هذا الرّأي أيضا .
وجاء في تفسير عليّ بن إبراهيم قوله : « إنّ الحاقّة هي الحذر من نزول العذاب » وهو نظير ما جاء في الآية التّالية
وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ
المؤمن : 45 .
( 18 : 520 )
فضل اللّه : الكلمة مشتقّة من الحقّ الّذي يمثّل الثّبات ، ولمّا كان يوم القيامة يمثّل الحقيقة الدّينيّة الثّابتة الّتي لا مجال للشّكّ فيها ، فقد عبّر عنه بهذه الكلمة الّتي أريد لها أن تهزّ الضّمير الإنسانيّ في أعماقه ، عندما يتطلّع في وعيه إلى اليوم الآخر الّذي كان الجدل يثور حوله ، بين المؤمنين والمكذّبين به ، في ما يؤكّده هؤلاء ويكذّبه أولئك ، فإذا بالصّيحة تدوّي لتطلق الكلمة غير المألوفة لديهم في اشتقاقها ، فتطرحها لتوحي بأنّ الآخرة هي الحاقّة في طبيعة تمثيلها للحقّ ، وهي الّتي تعطي الحقّ عمقه وامتداده .
ثمّ يثور السّؤال : ما الحاقّة ، ما هي حقيقتها ، ما هي تفاصيلها ، ما هي طبيعة الموقف فيها ، كيف يواجهها ، وكيف يكتشف الغموض في داخلها ؟ وتنطلق الكلمة الأخرى
وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ
للإيحاء بالتّهويل ، فهي الحقيقة الّتي لا مجال لإدراكها لما فيها من الأهوال العظيمة ، والمشاهد الكبيرة ، والأوضاع المتنوّعة الّتي لم يشاهدها النّاس من قبل ؛ بحيث إنّ التّصوّر لا يبلغ مداها .
وهذا ما يريد اللّه للإنسان أن يعيشه في تهاويلها الحقيقيّة الكامنة في الغيب ، ليدفعه ذلك إلى مواجهة الموقف الّذي يطلّ عليها في ساحة العمل بكلّ جدّيّة ومسؤوليّة ، في ما يقبل عليه من حسابها العسير أمام اللّه . ( 23 : 67 )
الوجوه والنّظائر
مقاتل : تفسير « الحقّ » على أحد عشر وجها :
فوجه منها : الحقّ : هو اللّه فذلك قوله :
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
المؤمنون : 71 ، يقول : لو اتّبع اللّه أهواء المشركين ، كقوله تعالى :
وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ
العصر : 3 ، يعني باللّه أنّه الواحد .
والوجه الثّاني : الحقّ : القرآن ، فذلك قوله :
حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ
الزّخرف : 29 ، يعني القرآن ،
وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ
الزّخرف : 30 ، يعني القرآن من عند اللّه ، كقوله :
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ
ق : 5 ، يعني بالقرآن لمّا جاءهم ، وكقوله :
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ
القصص : 48 ، يعني القرآن ، ونحوه كثير .
والوجه الثّالث : الحقّ : يعني الإسلام ، فذلك قوله :
وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ
الإسراء : 81 ، يعني الإسلام ، وقال :
لِيُحِقَّ الْحَقَّ
الأنفال : 8 ، يعني الإسلام .
والوجه الرّابع : الحقّ : يعني العدل ، فذلك قوله :
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ
النّور : 25 ، يعني حسابهم العدل ،
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
النّور : 25 ، يعني العدل المبين ، وكقوله :
افْتَحْ بَيْنَنا