موصوفه ، للإيذان بكمال ظهور اتّصافه بهذه الصّفة ، وجريانه مجرى الاسم .
وقيل : إنّها - على ما روي عن ابن عبّاس من كونها من أسماء يوم القيامة - اسم جامد لا يعتبر موصوف محذوف . وقيل : هي مصدر كالعاقبة والعافية .
وأيّا ما كان فهي مبتدأ خبرها جملة
مَا الْحَاقَّةُ *
على أنّ ( ما ) مبتدأ ، و
الْحَاقَّةُ *
خبر ، أو بالعكس ، ورجّح معنى . والأوّل هو المشهور ، والرّابط إعادة المبتدأ بلفظه ، والأصل : ما هي ، أي أيّ شيء هي في حالها وصفتها . فإنّ ( ما ) قد يطلب بها الصّفة والحال ، فوضع الظّاهر موضع المضمر ، تعظيما لشأنها وتهويلا لأمرها .
( 29 : 39 )
ابن عاشور :
الْحَاقَّةُ *
صيغة فاعل من : حقّ الشّيء ، إذا ثبت وقوعه ، والهاء فيها لا تخلو عن أن تكون هاء تأنيث ، فتكون
الْحَاقَّةُ *
وصفا لموصوف مقدّر مؤنّث اللّفظ ، أو أن تكون هاء مصدر على وزن « فاعلة » مثل الكاذبة للكذب ، والخاتمة للختم ، والباقية للبقاء والطّاغية للطّغيان ، والنّافلة والخاطئة .
وأصلها تاء المرّة ، ولكنّها لمّا أريد المصدر قطع النّظر عن المرّة ، مثل كثير من المصادر الّتي على وزن « فعلة » غير مراد به المرّة ، مثل قولهم : ضربة لازب .
ف ( الحاقّة ) إذن بمعنى الحقّ ، كما يقال : « من حاقّ كذا » أي من حقّه .
وعلى الوجهين فيجوز أن يكون المراد ب
الْحَاقَّةُ : *
المعنى الوصفيّ ، أي حادثة تحقّ أو حقّ يحقّ .
ويجوز أن يكون المراد بها لقبا ليوم القيامة ، وروي ذلك عن ابن عبّاس وأصحابه ، وهو الّذي درج عليه المفسّرون فلقّب بذلك « يوم القيامة » لأنّه يوم محقّق وقوعه ، كما قال تعالى :
وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ
الشّورى : 7 ، أو لأنّه تحقّ فيه الحقوق ولا يضاع الجزاء عليها ، قال تعالى :
وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
النّساء :
49 ، وقال :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
الزّلزال : 7 ، 8 .
وإيثار هذه المادّة وهذه الصّيغة يسمح باندراج معان صالحة بهذا المقام ، فيكون من الإيجاز البديع ، لتذهب نفوس السّامعين كلّ مذهب ممكن من مذاهب الهول والتّخويف بما يحقّ حلوله بهم .
فيجوز أيضا أن تكون
الْحَاقَّةُ *
وصفا لموصوف محذوف ، تقديره : السّاعة الحاقّة ، أو الواقعة الحاقّة ، فيكون تهديدا بيوم أو وقعة يكون فيها عقاب شديد للمعرّض بهم ، مثل يوم بدر أو وقعته ، وأنّ ذلك حقّ لا ريب في وقوعه . أو وصفا للكلمة ، أي كلمة اللّه الّتي حقّت على المشركين من أهل مكّة
كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ
المؤمن : 6 ، أو الّتي حقّت للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه ينصره اللّه قال تعالى :
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ
الصّافّات : 171 - 174 .
ويجوز أن تكون مصدرا بمعنى « الحقّ » ، فيصحّ أن يكون وصفا ليوم القيامة بأنّه حقّ ، كقوله :
وَاقْتَرَبَ