وكرّر لأنّ الأوّل متّصل بقوله :
وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ
أي أنتم تريدون العير واللّه يريد إهلاك النّفير ، والثّاني متّصل بالكلّ . ( 4 : 9 )
الزّمخشريّ : أن يثبته ويعليه . ( 2 : 144 )
فإن قلت : بم يتعلّق قوله :
لِيُحِقَّ الْحَقَّ ؟
قلت : بمحذوف تقديره : ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل ، فعل ذلك ما فعله إلّا لهما ، وهو إثبات الإسلام وإظهاره ، وإبطال الكفر ومحقه .
فإن قلت : أليس هذا تكريرا ؟
قلت : لا لأنّ المعنيين متباينان ؛ وذلك أنّ الأوّل تمييز بين الإرادتين ، وهذا بيان لغرضه فيما فعل من اختيار
ذاتِ الشَّوْكَةِ
على غيرها لهم ، ونصرتهم عليها ، وأنّه ما نصرهم ولا خذل أولئك إلّا لهذا الغرض الّذي هو سيّد الأغراض . ويجب أن يقدّر المحذوف متأخّرا حتّى يفيد معنى الاختصاص ، فينطبق عليه المعنى .
وقيل : قد تعلّق ب ( يقطع ) . ( 2 : 145 )
نحوه البيضاويّ ( 1 : 386 ) ، والبروسويّ ( 3 :
317 ) .
ابن عطيّة : أي ليظهر ما يجب إظهاره وهو الإسلام . ( 2 : 504 )
الفخر الرّازيّ : فيه سؤالات :
السّؤال الأوّل : أليس أنّ قوله :
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ
ثمّ قوله بعد ذلك :
لِيُحِقَّ الْحَقَّ
تكرير محض ؟
والجواب : ليس هاهنا تكرير ، لأنّ المراد بالأوّل سبب ما وعد به في هذه الواقعة من النّصر والظّفر بالأعداء ، والمراد بالثّاني تقوية القرآن والدّين ونصرة هذه الشّريعة ، لأنّ الّذي وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين كان سببا لعزّة الدّين وقوّته ، ولهذا السّبب قرنه بقوله :
وَيُبْطِلَ الْباطِلَ
الّذي هو الشّرك ، وذلك في مقابلة ( الحقّ ) الّذي هو الدّين والإيمان .
السّؤال الثّاني : ( الحقّ ) حقّ لذاته ، و ( الباطل ) باطل لذاته ، وما ثبت للشّيء لذاته فإنّه يمتنع تحصيله بجعل جاعل وفعل فاعل ، فما المراد من تحقيق الحقّ وإبطال الباطل ؟
والجواب : المراد من تحقيق الحقّ وإبطال الباطل ، بإظهار كون ذلك الحقّ حقّا ، وإظهار كون ذلك الباطل باطلا ؛ وذلك تارة يكون بإظهار الدّلائل والبيّنات ، وتارة بتقوية رؤساء الحقّ وقهر رؤساء الباطل .
واعلم أنّ أصحابنا تمسّكوا في مسألة خلق الأفعال بقوله تعالى :
لِيُحِقَّ الْحَقَّ
قالوا : وجب حمله على أنّه يوجد الحقّ ويكوّنه ، و ( الحقّ ) ليس إلّا الدّين والاعتقاد ، فدلّ هذا على أنّ الاعتقاد الحقّ لا يحصل إلّا بتكوين اللّه تعالى .
قالوا : ولا يمكن حمل تحقيق الحقّ على إظهار آثاره ، لأنّ ذلك الظّهور حصل بفعل العباد ، فامتنع أيضا إضافة ذلك الإظهار إلى اللّه تعالى ، ولا يمكن أن يقال : المراد من إظهاره : وضع الدّلائل عليها ، لأنّ هذا المعنى حاصل بالنّسبة إلى الكافر وإلى المسلم . وقبل هذه الواقعة ، وبعدها فلا يحصل لتخصيص هذه الواقعة بهذا المعنى