الشّيء باسم الشّيء على سبيل المبالغة ، كقوله :
* فإنّما هي إقبال وإدبار *
ويقال : هذا أمر اللّه أي مأموره ، وهذا شهوة فلان أي مشتهاه ، فكذلك حرث الرّجل : محرثه . ( 6 : 75 )
نحوه القرطبيّ ( 3 : 93 ) ، والنّيسابوريّ ( 2 : 249 ) ، والصّابونيّ ( 1 : 297 ) .
أبو السّعود : [ مثل الزّمخشريّ وأضاف : ]
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
لمّا عبّر عنهنّ بالحرث عبّر عن مجامعتهنّ بالإتيان ، وهو بيان لقوله تعالى :
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
البقرة : 222 . ( 1 : 239 )
البروسويّ : [ مثل الزّمخشريّ وأضاف : ]
والفرق بين الحرث والزّرع : أنّ الحرث : إلقاء البذر وتهيئة الأرض ، والزّرع : مراعاته وإنباته ، ولهذا قال تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ . .
.
فأثبت لهم الحرث ونفى عنهم الزّرع ،
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
لمّا عبّر عنهنّ بالحرث عبّر عن مجامعتهنّ بالإتيان . ( 1 : 347 )
الآلوسيّ : والحرث : إلقاء البذر في الأرض وهو غير الزّرع ، لأنّه إنباته ، يرشدك إلى ذلك :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ .
وقال الجوهريّ : « الحرث : الزّرع ، والحارث :
الزّارع » وعلى كلّ تقدير هو خبر عمّا قبله إمّا بحذف المضاف أي مواضع حرث ، أو التّجوّز والتّشبيه البليغ ، أي كمواضع ذلك . وتشبيههنّ بتلك المواضع متفرّع على تشبيه النّطف بالبذور ؛ من حيث إنّ كلّا منهما مادّة لما يحصل منه ولا يحسن بدونه ، فهو تشبيه يكنّى به عن تشبيه آخر ،
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
أي ما هو كالحرث ، ففيه استعارة تصريحيّة .
ويحتمل أن يبقى الحرث على حقيقته ، والكلام تمثيل ، شبّه حال إتيانهم النّساء في المأتى بحال إتيانهم المحارث في عدم الاختصاص بجهة دون جهة ، ثمّ أطلق لفظ المشبّه به على المشبّه ؛ والأوّل أظهر وأوفق لتفريع حكم الإتيان على تشبيههنّ بالحرث تشبيها بليغا .
وهذه الجملة مبيّنة ل :
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
لما فيه من الإجمال من حيث المتعلّق ، والفاء جزائيّة وما قبلها علّة لما بعدها ، وقدّم عليه اهتماما بشأن العلّة ، وليحصل الحكم معلّلا فيكون أوقع . ويحتمل أن يكون المجموع كالبيان لما تقدّم ، والفاء للعطف ، وعطف الإنشاء على الإخبار جائز بعاطف سوى الواو . ( 2 : 124 )
نحوه القاسميّ ( 3 : 564 ) ، وحسنين مخلوف ( 1 : 74 ) .
رشيد رضا : بيّن في الآية السّابقة حكم المحيض وأحلّ غشيان النّساء بعده ، وبيّن في هذه الآية حكمة هذا الغشيان الّتي شرّع الزّواج لأجلها ، وكان من مقتضى الفطرة ، وهي الاستنتاج والاستيلاد ، لأنّ الحرث هو الأرض الّتي تستنبت ، والاستيلاد كالاستنبات ، وهذا التّعبير على لطفه ونزاهته وبلاغته وحسن استعارته تصريح بما فهم من :
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
أو بيان له .
فهو يقول : إنّه لم يأمر بإتيان النّساء الأمر التّكوينيّ بما أودع في فطرة كلّ من الزّوجين من الميل إلى الآخر ، والأمر التّشريعيّ بما جعل الزّواج من أمر الدّين وأسباب المثوبة والقربة ، إلّا لأجل حفظ النّوع البشريّ