ويروى أن صنفا من الملائكة لهم ستّة أجنحة :
بجناحين منها يلقون أجسادهم ، وبآخرين منها يطيرون فيما أمروا به من جهته تعالى ، وجناحان منها مرخيّان على وجوههم حياء من اللّه عزّ وجلّ .
وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه رأى جبريل عليه السّلام ليلة المعراج وله ستّمائة جناح .
وروي أنّه سأله عليهما السّلام أن يترآى له في صورته ، فقال : إنّك لن تطيق ذلك ، قال : إنّي أحبّ أن تفعل ، فخرج عليه الصّلاة والسّلام في ليلة مقمرة ، فأتاه جبريل عليهما السّلام في صورته ، فغشي عليه عليه الصّلاة والسّلام ثمّ أفاق ، وجبريل مسنده وإحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه ، فقال : سبحان اللّه ما كنت أرى أنّ شيئا من الخلق هكذا ، فقال جبريل عليه السّلام : فكيف لو رأيت إسرافيل له اثنا عشر جناحا : جناح منها بالمشرق ، وجناح منها بالمغرب ، وإنّ العرش على كاهله ، وإنّه ليتضاءل الأحايين لعظمة اللّه عزّ وجلّ حتّى يعود مثل الوصع ، وهو العصفور الصّغير . ( 5 : 270 )
الآلوسيّ : أجنحة : جمع جناح ، صيغة جمع القلّة .
ومقتضي المقام أنّ المراد به الكثرة . [ ثمّ نقل كلام أبي حيّان وأضاف ]
والظّاهر أنّ الجناح بالمعنى المعروف عند العرب بيد أنّا لا نعرف حقيقته وكيفيّته ، ولا نقول : إنّه من ريش كريش الطّائر . [ إلى أن قال : ]
قوله تعالى :
مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
الظّاهر أنّه صفة لأجنحة ، والمنع من الصّرف على المشهور للصّفة والعدل عن اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة . [ ثمّ نقل كلام الزّمخشريّ وقال : ]
والبحث عن كيفيّة وضع الأجنحة شفعا كان أو وترا فيما أرى ، ممّا لا طائل تحته ، ولم يصحّ عندي في ذلك شيء ، ولقياس الغائب على الشّاهد ، قال بعضهم : إنّ المعنى إنّ في كلّ جانب لبعض الملائكة عليهم السّلام جناحين ولبعضهم ثلاثة ولبعضهم أربعة ، وإلّا فلو كانت ثلاثة لواحد لما اعتدلت ، وهو كما ترى .
[ ثمّ نقل ما جاء به الفخر الرّازيّ في قوله الثّاني - وقال قوم فيه - وأضاف : ]
وهذا خلاف الظّاهر جدّا ، ولا يحتاج إليه السّنيّ القائل : بأنّ الملائكة عليهم السّلام أجسام لطيفة نوريّة يقدرون على التّشكّل بالصّور المختلفة وعلى الأفعال الشّاقّة ، وإنّما يحتاج إليه أو إلى نحوه الفلاسفة وأتباعهم ، فإنّ الملائكة عندهم هي العقول المجرّدة ، ويسمّيها أهل الإشراق :
بالأنوار الظّاهرة ، وبعض المتصوّفة : بالسّرادقات النّوريّة ، وقد ذكر بعض متأخّريهم أنّ لها ذوات حقيقيّة وذوات إضافيّة ، مضافة إلى ما دونها إضافة النّفس إلى البدن . فأمّا ذواتها الحقيقيّة فإنّما هي أمريّة قضائيّة قوليّة ، وأمّا ذواتها الإضافيّة فإنّما هي خلقيّة قدريّة تنشأ منها الملائكة اللّوحيّة ، وأعظمهم إسرافيل عليه السّلام ، وتطلق الملائكة عندهم على غير العقول كالمدبّرات العلويّة والسّفليّة من النّفوس والطّبائع ، وأطالوا الكلام في ذلك ، وظواهر الآيات والأخبار تكذّبهم ، واللّه تعالى الموفّق للصّواب . ( 22 : 162 - 164 )