التّنبيه على نكتة ، ذهبت عنّا في « أف ل » عند البحث في هذه الآيات وما فيها من النّكات واللّطائف . وهي أنّ الكواكب إذا لم تكن ذوات عقول ، فلم قال :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
بدل « لا أحبّ الآفلات » ؟
والجواب : أنّ إبراهيم كان يخاطب قومه في « بابل » وهم عبدة الكواكب ، وكانوا يعتقدون أنّها آلهة ، فعبّر عنها بذلك مجاراة لقومه ، لكنّه نفى بذلك أنّهم آلهة ، لأنّهم لو سلّم أنّهم ذوات نفوس ، فأفولهم وتغيّر أحوالهم يشهدان بأنّهم ليسوا آلهة واجبة الوجود ، لاحظ « أف ل » .
3 - وبناء عليه فليس للفلاسفة الاحتجاج بالآية على مذهبهم في النّفوس الفلكيّة .
4 - وهناك بون بعيد بين مدرسة أرسطوطاليس ، في الأفلاك ، وبين عقيدة البابليّين في النّجوم ، فإنّ البابليّين كانوا يعبدونها كآلهة ، دون أتباع اليونانيّين فإنّهم جعلوا النّفوس الفلكيّة - دون النّجوم - أسبابا ووسائط في سلسلة تكوين العالم ، وعدّوا النّيّرات أجراما ثابتة في متن الأفلاك ، تدور بدورانها ولا شعور لها ولم يكونوا يعبدونها كآلهة .
ثامنا : ( أحبّ ) صيغة تفضيل جاءت ثلاث مرّات ، والمفضّل في كلّ واحدة منها إمّا شخص ، وإمّا شيء ، وإمّا شخص وشيء معا :
أ - ( 67 )
إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ :
1 - جاءت خلال قصّة يوسف حكاية عن إخوة يوسف الّذين حسدوه وأخاه بنيامين ؛ إذ كانا أحبّ إلى أبيهم منهم .
2 - ( أحبّ ) أفعل تفضيل ، مبنيّ من المفعول ، أكثر محبوبيّة ، وهذا شاذّ ، فإنّ التّفضيل مبنيّ من الفاعل عادة ، فإذا أريد به هذا يقال : أشدّ حبّا ، كما مضى في ( 44 )
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ .
3 - قالوا : وحّد الخبر ( أحبّ ) مع تعدّد المبتدأ ، لأنّ « أفعل من كذا » لا يفرّق فيه بين الواحد وما فوقه ، ولا بين المذكّر والمؤنّث إلّا إذا عرّف .
4 - استظهروا منها كراهة إظهار حبّ الأب إلى بعض أولاده ، وتفضيله عليهم بمظهر منهم .
ب - ( 68 )
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ .
1 - هذه أيضا جاءت خلال قصّة يوسف ؛ حيث اتّخذ سبيل العفاف ، والتجأ إلى السّجن من السّفاح ، فالمحبوب هنا هو السّجن دون يوسف أو النّسوة .
2 - فيها تصريح بأنّ النّسوة كلّهنّ تمنّين من يوسف حظّهنّ ، لا امرأة العزيز وحدها ، كما كشف عنه قطع الأيدي .
3 - كان مكرهنّ ودلالهنّ بمرتبة من الشّدّة ألجأت يوسف إلى الاعتصام باللّه ، كما كشفت عنه
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ
يوسف :
24 .
ج - ( 69 )
قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ